فصل: تفسير الآية رقم (39)

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: التحرير والتنوير المسمى بـ «تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد»***


الجزء الثالث والعشرون

تفسير الآيات رقم ‏[‏28- 29‏]‏

‏{‏وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُنْدٍ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا كُنَّا مُنْزِلِينَ ‏(‏28‏)‏ إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ ‏(‏29‏)‏‏}‏

رجوع إلى قصة أصحاب القرية بعد أن انقطع الحديث عنهم بذكر الرجل المؤمن الذي جاء من أقصى المدينة ناصحاً لهم وكان هذا الرجوع بمناسبة أن القوم قومُ ذلك الرجل‏.‏

فجملة ‏{‏وما أنزلنا على قومه‏}‏ الخ عطف على جملة ‏{‏قيل ادخُل الجَنَّة‏}‏ ‏[‏يس‏:‏ 26‏]‏ فهي مستأنفة أيضاً استئنافاً بيانياً لأن السامع يتشوف إلى معرفة ما كان من هذا الرجل ومِن أمر قومه الذين نصحهم فلم ينتصحوا فلما بيّن للسامع ما كان من أمره عطف عليه بيان ما كان من أمر القوم بعدَه‏.‏

وافتتاح قصة عقابهم في الدنيا بنفي صورة من صُور الانتقام تمهيد للمقصود من أنهم ما حلّ بهم إلا مثل ما حلّ بأمثالهم من عذاب الاستئصال، أي لم ننزل جنوداً من السماء مخلوقة لقتال قومه، أو لم ننزل جنوداً من الملائكة من السماء لإِهلاكهم، وما كانت عقوبتهم إلا صيحة واحدة من مَلَك واحد أهلكتهم جميعاً‏.‏

و ‏{‏مِن‏}‏ في قوله‏:‏ ‏{‏مِن بَعْدِهِ‏}‏ مزيدة في الظرف لتأكيد اتصال المظروف بالظرف وأصلها ‏{‏مِن‏}‏ الابتدائية، وإضافة ‏{‏بعد‏}‏ إلى ضمير الرجل على تقدير مضاف شائع الحذف، أي بعدَ موته كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏إذ قال لبنيه ما تعبدون من بعدي‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 133‏]‏‏.‏

و ‏{‏مِن‏}‏ في قوله‏:‏ ‏{‏مِن جُندٍ‏}‏ مؤكدة لعموم ‏{‏جُنْدٍ‏}‏ في سياق النفي، و‏{‏مِن‏}‏ في قوله‏:‏ ‏{‏مِنَ السَّمَاءِ‏}‏ ابتدائية وفي الإِتيان بحرف ‏{‏مِن‏}‏ ثلاثَ مرات مع اختلاف المعنى مُحسّن الجناس‏.‏ وفي هذا تعريض بالمشركين من أهل مكة إذ قالوا للنبيء صلى الله عليه وسلم ‏{‏أو تأتَي بالله والملائكة قبيلاً‏}‏ ‏[‏الإسراء‏:‏ 92‏]‏ أي تأتي بالله الذي تدّعي أنه أرسلك ومعه جنده من الملائكة ليثأر لك‏.‏

فجملة ‏{‏وما كُنَّا مُنزِلينَ‏}‏ معترضة بين نوعي العقاب المنفي والمثبَت، لقصد الرد على المشركين بأن سنة الله تعالى لم تجر بإنزال الجنود على المكذبين وشأن العاصين أَدْوَنُ من هذا الاهتمام‏.‏

والصيحة‏:‏ المرة من الصياح، بوزن فعلَة، فوصفها بواحدة تأكيد لمعنى الوحدة لئلا يتوهم أن المراد الجنس المفرد من بين الأجناس، و‏{‏صَيْحَةً‏}‏ منصوب على أنه خبر ‏{‏كَانَتْ‏}‏ بعد الاستثناء المفرّغ، ولحاق تاء التأنيث بالفعل مع نصب ‏{‏صَيْحَةً‏}‏ مشير إلى أن المستثنى منه المحذوف العقوبة أو الصيحة التي دلت عليها ‏{‏صيحة واحِدةً،‏}‏ أي لم تكن العقوبة أو الصيحة إلا صيحةً من صفتها أنها واحدة إلى آخره‏.‏ وقرأ أبو جعفر برفع ‏{‏صَيْحَةٌ‏}‏ على أن «كان» تامة، أي ما وقعت إلا صيحة واحدة‏.‏

ومجيء «إذا» الفجائية في الجملة المفرعة على ‏{‏إن كَانَتْ إلاَّ صَيْحَةً واحدة‏}‏ لإِفادة سرعة الخمود إليهم بتلك الصيحة‏.‏ وهذه الصيحة صاعقة كما قال تعالى حكاية عن ثمود‏:‏ ‏{‏فأخذتهم الصيحة‏}‏ ‏[‏الحجر‏:‏ 73‏]‏‏.‏

والخمود‏:‏ انطفاء النار، استعير للموت بعد الحياة المليئة بالقوة والطغيان، ليتضمن الكلام تشبيه حال حياتهم بشبوب النار وحال موتهم بخمود النار فحصل لذلك استعارتان إحداهما صريحة مصرحة، وأخرى ضمنية مكنية ورمزها الأُولى، وهما الاستعارتان اللتان تضمنهما قول لبيد‏:‏

وما المرء إلا كالشهاب وضوئه *** يَحور رماداً بعد إذ هو ساطع

وتقدم قوله تعالى‏:‏ ‏{‏حتى جعلناهم حصيداً خامدين‏}‏ في سورة الأنبياء‏}‏ ‏(‏15‏)‏، فكان هذا الإِيجاز في الآية بديعاً لحصول معنى بيت لبيد في ثلاث كلمات‏.‏ وهذا يشير إلى حدث عظيم حدث بأهل أنطاكية عقب دعوة المرسلين وهو كرامة لشهداءِ أتباع عيسى عليه السلام، فإن كانت الصيحة صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود كان الذين خمدوا بها جميعَ أهل القرية فلعلهم كانوا كفاراً كلهم بعد موت الرجل الذي وعظهم وبعد مغادرة الرسل القرية‏.‏ ولكن مثل هذا الحادث لم يذكر التاريخ حدوثه في أنطاكية، فيجوز أن يهمل التاريخ بعض الحوادث وخاصة في أزمنة الاضطراب والفتنة‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏30‏]‏

‏{‏يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ ‏(‏30‏)‏‏}‏

‏(‏30‏)‏ ياحسرة عَلَى العباد مَا يَأْتِيهِمْ مِّن رَّسُولٍ‏}‏‏.‏

تذييل وهو من كلام الله تعالى واقع موقع الرثاء للأمم المكذبة الرسل شامل للأمة المقصودة بسوق الأمثال السابقة من قوله‏:‏ ‏{‏واضْرِبْ لَهُم مَثَلاً أصحابَ القرية‏}‏ ‏[‏يس‏:‏ 13‏]‏، واطراد هذا السَنن القبيح فيهم‏.‏ فالتعريف في ‏{‏العباد‏}‏ تعريف الجنس المستعمل في الاستغراق وهو استغراق ادعائي روعي فيه حال الأغلب على الأمم التي يأتيها رسول لعدم الاعتداء في هذا المقام بقلة الذين صدَّقوا الرسل ونصروهم فكأنَّهم كلهم قد كذبوا‏.‏

و ‏{‏العباد‏}‏‏:‏ اسم للبشر وهو جمع عبد‏.‏ والعبد‏:‏ الممْلوك وجميع الناس عبيد الله تعالى لأنه خالقهم والمتصرف فيهم قال تعالى‏:‏ ‏{‏رزقاً للعباد‏}‏ ‏[‏ق‏:‏ 11‏]‏، وقال المغيرة بن حبناء‏:‏

أمسَى العباد بشَرَ لا غياث لهم *** إلا المهلب بعد الله والمطرُ

ويجمع على عبيد وعباد وغلب الجمع الأول على عبد بمعنى مملوك، والجمع الثاني على عبد بمعنى آدمي، وهو تخصيص حسن من الاستعمال العربي‏.‏

والحسرة‏:‏ شدة الندم مشوباً بتلهف على نفع فائت‏.‏ وحرف النداء هنا لمجرد التنبيه على خطر ما بعده ليصغي إليه السامع وكثر دخوله في الجمل المقصود منها إنشاء معنى في نفس المتكلم دون الإِخبار فيكون اقتران ذلك الإِنشاء بحرف التنبيه إعلاناً بما في نفس المتكلم من مدلول الإِنشاء كقولهم‏:‏ يا خيبة، ويا لعنة، ويا ويلي، ويا فرحي، ويا ليتني، ونحو ذلك، قالت امرأة من طي من أبيات الحماسة‏:‏

فيا ضَيعَةَ الفتيان إذ يعتلونه *** ببطن الشرا مثل الفنيق المسدّم

وبيت الكتاب‏:‏

يا لعنةَ الله والأقوام كلّهم *** والصالحين على سِمْعانَ من جار

وقد يقع النداء في مثل ذلك بالهمزة كقول جعفر بن علبة الحارثي‏:‏

أَلهْفَى بقُرَّى سَحْبللٍ حين أجلبت *** علينا الولايا والعدوُّ المباسل

وأصل هذا النداء أنه على تنزيل المعنى المثير للإِنشاء منزلة العاقل فيقصد اسمه بالنداء لطلب حضوره فكأن المتكلم يقول‏:‏ هذا مقامك فاحْضر، كما ينادَى من يقصد في أمر عظيم، ويُنتقل من ذلك إلى الكتابة عما لحق المتكلم من حاجة إلى ذلك المنادي ثم كثر ذلك وشاع حتى تنوسي ما فيه من الاستعارة والكناية وصار لمجرد التنبيه على ما يجيء بعده، والاهتمام حاصل في الحالين‏.‏

وتقدم ذلك عند قوله تعالى‏:‏ ‏{‏يا ليتني كنت معهم‏}‏ في سورَة النساء‏}‏ ‏(‏73‏)‏، وقوله‏:‏ ‏{‏يا ويلتا ليتني لم أتخذ فلاناً خليلاً‏}‏ في سورة الفرقان‏}‏ ‏(‏28‏)‏‏.‏

وموقع مثله في كلام الله تعالى تمثيل لحال عباد الله تعالى في تكذيبهم رسل الله بحال من يَرثي له أهله وقوعه في هلاك أرادوا منه تجنبه‏.‏

وجملة ‏{‏ما يأتِيهِم مِن رَسُولٍ‏}‏ بيان لوجه التحسّر عليهم لأن قوله‏:‏ ‏{‏ياحسرة على العِبَادِ‏}‏ وإن كان قد وقع بعد ذكر أهل القرية فإنه لما عمّم على جميع العباد حدث إيهام في وجه العموم‏.‏ فوقع بيانه بأن جميع العباد مساوون لمن ضُرب بهم المثل ومن ضُرب لهم في تلك الحالة الممثل بها ولم تنفعهم المواعظ والنذر البالغة إليهم من الرسول المرسل إلى كل أمة منهم ومن مشاهدة القرون الذين كذبوا الرسل فهلكوا، فعُلم وجه الحسرة عليهم إجمالاً من هذه الآية ثم تفصيلاً من قوله بعد‏:‏ ‏{‏ألم يروا كم أهلكنا‏}‏ ‏[‏يس‏:‏ 31‏]‏ الخ‏.‏

والاستثناء في قوله‏:‏ ‏{‏إلاَّ كانوا به يَستهزئون‏}‏ مفرغ من أحوال عامة من الضمير في ‏{‏يَأتِيهِم‏}‏ أي لا يأتيهم رسول في حال من أحوالهم إلا في حال استهزائهم به‏.‏

وتقديم المجرور على ‏{‏يَسْتَهْزئونَ‏}‏ للاهتمام بالرسول المشعر باستفظاع الاستهزاء به مع تأتِّي الفاصلة بهذا التقديم فحصل منه غرضان من المعاني ومن البديع‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏31‏]‏

‏{‏أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لَا يَرْجِعُونَ ‏(‏31‏)‏‏}‏

هذه الجملة بيان لجملة ‏{‏ما يأتيهم من رسول إلا كانوا به يستهزئؤن‏}‏ ‏[‏يس‏:‏ 30‏]‏ لما فيها من تفصيل الإِجمال المستفاد من قوله‏:‏ ‏{‏ما يأتيهم من رسول إلا كانوا به يستهزئون فإن عاقبة ذلك الاستهزاء بالرسول كانت هلاك المستهزئين، فعدمُ اعتبار كل أمة كذبت رسولها بعاقبة المكذبين قبلها يثير الحسرة عليها وعلى نظرائها كما أثارها استهزاؤهم بالرسول وقلة التبصر في دعوته ونذارته ودلائل صدقه‏.‏

وضمير يَرَوا‏}‏ عائد إلى العباد كما يقتضيه تناسق الضمائر‏.‏ والمعاد فيه عموم ادعائي كما تقدم آنفاً، فيتعين أن تخص منه أول أمة كذبت رسولها وهم قوم نوح فإنهم لم يسبق قبلهم هلاك أمة كذبت رسولَها، فهذا من التخصيص بدليل العقل لأن قوله‏:‏ ‏{‏قَبْلَهُم‏}‏ يرشد بالتأمل إلى عدم شموله أول أمة أرسل إليها‏.‏

وقيل‏:‏ يجوز أن يكون ضمير ‏{‏أَلم يَروا‏}‏ عائداً إلى ما عاد إليه ضمير ‏{‏واضْرِب لهُمْ مَثَلاً‏}‏ ‏[‏يس‏:‏ 13‏]‏ ويكون المثَل قد انتهى بجملة ‏{‏ياحَسْرَةً على العِبَادِ‏}‏ ‏[‏يس‏:‏ 30‏]‏ الآية‏.‏ وهذا بعيد لأنه كان يقتضي أن تعطف الجملة على جملة ‏{‏واضْرِب لهم مَثَلاً‏}‏ كما عطفت جملة ‏{‏وءَايَةٌ لهم الأرض الميتة أحييناها‏}‏ ‏[‏يس‏:‏ 33‏]‏ الآية، وجملة ‏{‏وءاية لهم اللَّيْل نسلَخُ منه النهار‏}‏ ‏[‏يس‏:‏ 37‏]‏، وجملة ‏{‏وءايةٌ لهم أنَّا حملنا ذريتهم في الفلك المشحون‏}‏ ‏[‏يس‏:‏ 41‏]‏، ولا مُلجئ إلى هذا الاعتبار في المعاد، وقد علمت توجيه الاعتبار الأول لتصحيح العموم‏.‏

والاستفهام يجوز أن يكون إنكارياً؛ نزلت غفلتهم عن إهلاك القرون منزلة عدم العلم فأنكر عليهم عدم العلم بذلك وهو أمر معلوم مشهور، ويجوز كون الاستفهام تقريرياً بُني التقرير على نفي العلم بإهلاك القرآن استقصاء لمعذرتهم حتى لا يسعهم إلا الإِقرار بأنهم عالمون فيكون إقرارهم أشد لزوماً لهم لأنهم استفهموا على النفي فكان يسعهم أن ينفوا ذلك‏.‏

والرؤية على التقديرين علمية وليست بصرية لأن إهلاك القرون لم يكن مشهوداً لأمة جاءت بعد الأمة التي أهلكت قبلها‏.‏ وفعل الرؤية معلق عن العمل بورود ‏{‏كم‏}‏ لأن ‏{‏كم‏}‏ لها صدر الكلام سواء كانت استفهاماً أم خبراً، فإن ‏{‏كم‏}‏ الخبرية منقولة من الاستفهامية وما له صدر الكلام لا يعمل ما قبله فيما بعده‏.‏

و ‏{‏كم‏}‏ في موضع نصب ب ‏{‏أَهْلَكْنَا‏:‏‏}‏ ومفادها كثرة مبهمة فسّرت بقوله‏:‏ ‏{‏مِنَ القُرُونِ‏}‏ ووقعت ‏{‏كم‏}‏ في موضع المفعول لقوله‏:‏ ‏{‏أَهْلَكنا‏}‏‏.‏

و ‏{‏قَبْلَهُم‏}‏ ظرف ل ‏{‏أهْلَكْنَا‏}‏ ومعنى ‏{‏قَبْلَهُم‏:‏‏}‏ قبل وجودهم‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏أنَّهُم إليهم لا يَرْجِعون‏}‏ بدل اشتمال من جملة ‏{‏أهلكنا‏}‏ لأن الإِهلاك يشتمل على عدم الرجوع؛ أبدل المصدر المنسبك من «أنَّ» وما بعدها من معنى جملة ‏{‏كم أهلكنا قبلهم من القرون‏}‏ لأن معنى تلك الجملة كثرة الإِهلاك أو كثرة المهلكين‏.‏ وفعل الرؤية عامل في ‏{‏أنَّهم إليهِم لا يَرْجِعُونَ‏}‏ بالتبعية لتسلط معنى الفعل على جملة ‏{‏كَمْ أهْلَكْنَا‏}‏ لأن التعليق يبطل العمل في اللفظ لا في المحل‏.‏

وفائدة هذا البدل تقرير تصوير الإِهلاك لزيادة التخويف، ولاستحضار تلك الصورة في الإِهلاك أي إهلاكاً لا طماعية معه لرجوع إلى الدنيا، فإن ما يشتمل عليه الإِهلاك من عدم الرجوع إلى الأهل والأحباب مما يزيد الحسرة اتضاحاً‏.‏

و ‏{‏إلَيْهِم‏}‏ متعلق ب ‏{‏يَرجِعون‏}‏ وتقديمه على متعلقه للرعاية على الفاصلة‏.‏

وضمير ‏{‏إليهم‏}‏ عائد إلى ‏{‏العِبَادِ‏}‏ ‏[‏يس‏:‏ 30‏]‏، وضمير ‏{‏أنَّهُمْ‏}‏ عائد إلى ‏{‏القُرُونِ‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏32‏]‏

‏{‏وَإِنْ كُلٌّ لَمَّا جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ ‏(‏32‏)‏‏}‏

أرى أن عطفه على جملة ‏{‏أنهم إليهم لا يرجعون‏}‏ ‏[‏يس‏:‏ 31‏]‏ واقعٌ موقع الاحتراس من توهم المخاطبين بالقرآن أن قوله‏:‏ ‏{‏أنهم إليهم لا يرجعون‏}‏ مؤيد اعتقادهم انتفاء البعث‏.‏

و ‏{‏إِنْ‏}‏ يجوز أن تكون مخففة من الثقيلة والأفصح إهمالها عن العمل فيما بعدها، والأكثر أن يقترن خبر الاسم بعدها بلام تسمّى اللام الفارقة لأنها تفرق بين ‏{‏إِنْ‏}‏ المخففة من الثقيلة وبين ‏{‏إِنْ‏}‏ النافية لئلا يلتبس الخبر المؤكد بالخبر المنفي فيناقض مقصد المتكلم، وعلى هذا الوجه يكون قوله‏:‏ ‏{‏لَما‏}‏ مخفف الميم كما قرأ الجمهور ‏{‏لَمَا جَمِيعٌ‏}‏ بتخفيف ميم ‏{‏لَمَّا‏}‏، فهي مركبة من اللام الفارقة و‏(‏ما‏)‏ الزائدة للتأكيد، ويجوز أن تكون ‏{‏إنْ‏}‏ نافية بمعنى ‏(‏لا‏)‏ ويكون ‏{‏لَمَّا‏}‏ بتشديد الميم على أنها حرف استثناء بمعنى ‏(‏إلا‏)‏ تقع بعد النفي ونحوه كالقسم‏.‏ وكذلك قرأ ابن عامر وعاصم وحمزة وأبو جعفر‏.‏ والتقدير‏:‏ وما كلهم إلا مُحْضَرُون لدينا‏.‏

و ‏{‏كُلٌّ‏}‏ مبتدأ وتنوينه تنوين العوض عما أضيف إليه ‏(‏كل‏)‏، أي كل القرون، أو كل المذكورين من القرون والمخاطبين‏.‏

و ‏{‏جَمِيعٌ‏}‏ اسم على وزن فعيل، أي مجموع، وهو ضد المتفرق‏.‏ يقال‏:‏ جمع أشياءَ كَذا، إذا جعلها متقاربة متصلة بعد أن كانت مشتتة ومتباعدة‏.‏

والمعنى‏:‏ أن كل القرون محضرون لدينا مجتمعين، أي ليس إحضارهم في أوقات مختلفة ولا في أمكنة متعددة؛ فكلمة ‏{‏كل‏}‏ أفادت أن الإِحضار محيط بهم بحيث لا ينفلت فريق منهم، وكلمة ‏{‏جميع‏}‏ أفادت أنهم محضرون مجتمعين فليست إحدى الكلمتين بمغنية عن ذكر الأخرى، ألا ترى أنه لو قيل‏:‏ وإن أكثرهم لما جميع لدينا محضرون، لما كان تناف بين «أكثرهم» وبين «جميعهم» أي أكثرهم يحضر مجتمعين؛ فارتفع ‏{‏جَمِيعٌ‏}‏ على الخبرية في قراءات تخفيف ‏{‏لمَا‏}‏ وعلى الاستثناء على قراءات تشديد ‏{‏لمَّا‏}‏‏.‏ و‏{‏مُحْضَرُونَ‏}‏ نعت ل ‏{‏جَمِيعٌ‏}‏ على القراءتين‏.‏ وروعي في النعت معنى المنعوت فألحقت به علامة الجماعة، كقول لبيد‏:‏

عَرِيتْ وكان بها الجَميع فأبكروا *** منها وغُودر نُؤيها وثُمامها

والإِحضار‏:‏ الإِحضار للحساب والجزاء والعقاب‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏33‏]‏

‏{‏وَآَيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ ‏(‏33‏)‏‏}‏

عطف على قصة ‏{‏واضرب لهم مثلاً أصحاب القرية‏}‏ ‏[‏يس‏:‏ 13‏]‏ فإنه ضرب لهم مثلاً لحال إعراضهم وتكذيبهم الرسول صلى الله عليه وسلم وما تشتمل عليه تلك الحال من إشراك وإنكار للبعث وأذى للرسول صلى الله عليه وسلم وعاقبة ذلك كله‏.‏ ثم أعقب ذلك بالتفصيل لإِبطال ما اشتملت عليه تلك الاعتقادات من إنكار البعث ومن الإِشراك بالله‏.‏

وابتدئ بدلالة تقريب البعث لمناسبة الانتقال من قوله‏:‏ ‏{‏وإن كُلٌّ لَما جَمِيعٌ لدينا مُحْضَرُون‏}‏ ‏[‏يس‏:‏ 32‏]‏ على أن هذه لا تخلو من دلالتها على الانفراد بالتصرف، وفي ذلك إثبات الوحدانية‏.‏

و ‏{‏وءَايَةٌ‏}‏ مبتدأ و‏{‏لَّهُمُ‏}‏ صفة ‏{‏آية‏}‏، و‏{‏الأرْضُ‏}‏ خبر ‏{‏آية‏}‏، و‏{‏المَيْتَةُ‏}‏ صفة ‏{‏الأرْضُ‏}‏‏.‏ وجملة ‏{‏أحْيَيْناهَا‏}‏ في موضع الحال من ‏{‏الأرْضُ‏}‏ وهي حال مقيدة لأن إحياء الأرض هو مناط الدلالة على إمكان البعث بعد الموت، أو يكون جملة ‏{‏أحْيَيْناها‏}‏ بياناً لجملة ‏{‏آية لهم الأرض‏}‏ لبيان موقع الآية فيها، أو بدل اشتمال من جملة ‏{‏آية لهم الأرض‏}‏، أو استئنافاً بيانياً كأنّ سائلاً سأل‏:‏ كيف كانت الأرض الميتة‏؟‏

وموت الأرض‏:‏ جفافها وجَرازتها لخلوّها من حياة النبات فيها، وإحياؤها‏:‏ خروج النبات منها من العشب والكلأ والزرع‏.‏

وقرأ نافع وأبو جعفر ‏{‏المَيِّتَةُ‏}‏ بتشديد الياء‏.‏ وقرأ الباقون بتخفيف الياء، والمعنى واحد وهما سواء في الاستعمال‏.‏

والحبّ‏:‏ اسم جمع حبّة، وهو بَزرة النبت مثل البُرّة والشعيرة‏.‏ وقد تقدم عند قوله تعالى‏:‏ ‏{‏كمثل حبة أنبتت سبع سنابل‏}‏ في سورة البقرة ‏(‏261‏)‏‏.‏

وإخراج الحب من الأرض‏:‏ هو إخراجه من نباتها فهو جاء منها بواسطة‏.‏ وهذا إدماج للامتنان في ضمن الاستدلال ولذلك فرّع عليه ‏{‏فَمِنْهُ يأكلون‏.‏‏}‏ وتقديم ‏{‏منه‏}‏ على ‏{‏يأكُلُونَ‏}‏ للاهتمام تنبيهاً على النعمة ولرعاية الفاصلة‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏34- 35‏]‏

‏{‏وَجَعَلْنَا فِيهَا جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنَ الْعُيُونِ ‏(‏34‏)‏ لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ أَفَلَا يَشْكُرُونَ ‏(‏35‏)‏‏}‏

هذا من إحياء الأرض بإنبات الأشجار ذات الثمار، وهو إحياء أعجب وأبقى وإن كان الإِحياء بإنبات الزرع والكلأ أوضح دلالة لأنه سريع الحصول‏.‏

وتقدم ذكر ‏{‏جنات‏}‏ في أول سورة الرعد‏}‏ ‏(‏4‏)‏‏.‏

وتفجير العيون تقدم عند قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وإن من الحجارة لمَا يتفجر منه الأنهار في سورة البقرة‏}‏ ‏(‏74‏)‏‏.‏

والثَّمَر بفتحتين وبضمتين‏:‏ ما يغلّه النخل والأعناب من أصناف الثمر وأصناف العنب والثمرة بمنزلة الحبّ للسنبل‏.‏ وقرأ الجمهور‏:‏ ‏{‏ثَمَرِهِ‏}‏ بفتحتين‏.‏ وقرأه حمزة والكسائي وخلف بضمتين‏.‏ والنخيل‏:‏ اسم جمع نخل‏.‏

والأعناب جمع عنب، وهو يطلق على شجرة الكرم وعلى ثمرها‏.‏ وجمع النخيل والأعناب باعتبار تعدد أصناف شجره المثمر أصنافاً من ثمره‏.‏

وضمير ‏{‏مِن ثَمَرِهِ‏}‏ عائد إلى المذكور، أي من ثمر ما ذكرنا، كقول رُؤبة‏:‏

فيها خطوط من سواد وبلق *** كأنه في الجلد توليع البهق

فقيل له‏:‏ هلا قلت‏:‏ كأنها‏؟‏ فقال‏:‏ أردت كأن ذلك ويْلَك‏.‏ وتقدم عند قوله تعالى‏:‏ ‏{‏عوان بين ذلك‏}‏ في سورة البقرة‏}‏ ‏(‏68‏)‏‏.‏

ويجوز أن يعود الضمير على النخيل وتترك الأعناب للعلم بأنها مثل النخيل‏.‏ كقول الأزرق بن طرفة بن العمود القراطي الباهلي‏:‏

رماني بذنب كنتُ منه ووالدي *** بريئاً ومن أجْل الطويِّ رّماني

فلم يقل‏:‏ بريئين، للعلم بأن والده مثله‏.‏

ويجوز أن تكون ‏{‏ما‏}‏ في قوله‏:‏ ‏{‏وما عَمِلَتْهُ أيدِيهم‏}‏ موصولة معطوفة على ‏{‏ثَمَرهِ،‏}‏ أي ليأكلوا من ثمر ما أخرجناه ومن ثمر ما عملته أيديهم، فيكون إدماجاً للإِرشاد إلى إقامة الجنات بالخدمة والسقي والتعهد ليكون ذلك أوفر لأغلالها‏.‏ وضمير ‏{‏عَمِلَتْهُ‏}‏ على هذا عائد إلى اسم الموصول‏.‏ ويجوز أن يكون ‏{‏ما‏}‏ نافية والضمير عائد إلى ما ذكر من الحب والنخيل والأعناب‏.‏ والمعنى‏:‏ أن ذلك لم يخلقوه‏.‏ وهذا أوفر في الامتنان وأنسب بسياق الآية مساق الاستدلال‏.‏ وقرأ الجمهور‏:‏ ‏{‏وما عَمِلَتْهُ‏}‏ بإثبات هاء الضمير عائداً إلى المذكور من الحب والنخيل والأعناب‏.‏ وقرأ حمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم وخلف ‏{‏وما عملت‏}‏ بدون هاء، وكذلك هو مرسوم في المصحف الكوفي وهو جار على حذف المفعول إن كان معلوماً‏.‏ ويجوز أن يكون من حذف المفعول لإرادة العموم‏.‏ والتقدير‏:‏ وما عملت أيديهم شيئاً من ذلك‏.‏ وكلا الحذفين شائع‏.‏

وفرع عليه استفهام الإنكار لعدم شكرهم بأن اتخذوا للذي أوجد هذا الصنع العجيب أنداداً‏.‏ وجيء بالمضارع مبالغة في إنكار كفرهم بأن الله حقيق بأن يكرروا شكره فكيف يستمرون على الإِشراك به‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏36‏]‏

‏{‏سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ وَمِمَّا لَا يَعْلَمُونَ ‏(‏36‏)‏‏}‏

اعتراض بين جملة ‏{‏وءاية لهم الأرض‏}‏ ‏[‏يس‏:‏ 33‏]‏ وجملة ‏{‏وءاية لهم الليل‏}‏ ‏[‏يس‏:‏ 37‏]‏، أثارُه ذكر إحياء الأرض وإخراج الحبّ والشجر منها فإن ذلك أحوالاً وإبداعاً عجيباً يذكّر بتعظيم مُودِع تلك الصنائع بحكمته وذلك تضمن الاستدلال بخلق الأزواج على طريقة الإِدماج‏.‏ و‏{‏سبحان‏}‏ هنا لإِنشاء تنزيه الله تعالى عن أحوال المشركين تنزيهاً عن كل ما لا يليق بإلهيته وأعظمه الإِشراك به وهو المقصود هنا‏.‏ وإجراء الموصول على الذات العلية للإِيماء إلى وجه إنشاء التنزيه والتعظيم‏.‏ وقد مضى الكلام على ‏{‏سُبْحَانَ في سورة البقرة وغيرها‏.‏

والأزواج‏}‏‏:‏ جمع زوج وهو يطلق على كل من الذكر والأنثى من الحيوان، ويطلق الزوج على معنى الصنف المتميز بخواصه من نوع الموجودات تشبيهاً له بصنف الذكر وصنف الأنثى كما في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فأخرجنا به أزواجاً من نبات شتى‏}‏ وتقدم في سورة طه‏}‏ ‏(‏53‏)‏، والإِطلاق الأول هو الكثير كما يؤخذ من كلام الراغب، وهو الذي يناسبه نقل اللفظ من الزوج الذي يكون ثانِياً لآخرَ، فيجوز أن يحمل ‏{‏للأزْواجَ‏}‏ في هذه الآية على المعنى الأول فيكون تذكيراً بخلق أصناف الحيوان الذي منه الذكر والأنثى، وتكون ‏{‏مِن‏}‏ في المواضع الثلاثة ابتدائية متعلقة بفعل ‏{‏خَلَقَ‏.‏

وهذا إدماج لذكر آية أخرى من آيات الانفراد بالخَلق، فخلْق الحيوان بما فيه من القوى لتناسله وحماية نوعه وإنتاج منافعه، هو أدق الخلق صنعاً وأعمقه حكمة، وأدخله في المنة على الإِنسان، بأن جعلت منافع الحيوان له كما في آية سورة المؤمنين‏.‏ فمن أجل ذلك خصّ من بين الخلق الآخر بقَرْنه بالتسبيح لخالقه تنويهاً بشأنه وتفنناً في سرد أعظم المواليد الناشئة عن إيداع قوة الحياة للأرض وانبثاق أنواع الأحياء وأصنافها منها، كما أشار إليه الابتداء بذكر مِمَّا تُنبِتُ الأرْضُ‏}‏ قبلَ غيره من مبادئ التخلق لأنه الأسبق في تكوين مواد حياة الحيوان فإنه يتولد من النطف الذكور والإِناث، وتتولد النطف من قوى الأغذية الحاصلة من تناول النبات فذلك من معنى قوله‏:‏ ‏{‏مما تنبت الأرض ومن أنفسهم‏}‏ أي ومما يتكون فيهم من أجزائهم الحيوانية‏.‏

وجيء بضمير جماعة العقلاء تغليباً لنوع الإِنسان نظراً لكونه المقصود بالعبرة بهذه الآية، وللتخلص إلى تخصيصه بالعبرة في قوله‏:‏ ‏{‏ومِمَّا لاَ يَعْلمُونَ‏}‏‏.‏

وإشارة قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ومِمَّا لاَ يَعْلمونَ‏}‏ إلى أسرار مودعة في خلق أنواع الحيوان وأصنافه هي التي ميزت أنواعه عن بعض وميزت أصنافه وذكورَه عن إناثه، وأودعت فيه الروح الذي امتاز به عن النبات بتدبير شؤونه على حسب استعداد كل نوع وكل صنف حتى يبلغ في الارتقاء إلى أشرف الأنواع وهو نوع الإِنسان، فمعنى ‏{‏ومِمَّا لاَ يَعْلمُونَ‏}‏‏:‏ مما لا يعلمونه تفصيلاً وإن كانوا قد يشعرون به إجمالاً، فإن المتأمل يعلم أن في المخلوقات أسراراً خفية لم تصل أفهامهم إلى إدراك كنهها، ومن ذلك الروح فقد قال تعالى‏:‏

‏{‏قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلاً‏}‏ ‏[‏الإسراء‏:‏ 85‏]‏‏.‏

وقد يتفاضل الناس في إدراك بعض تلك الخصائص إجمالاً وتفصيلاً ثم يستوون في عدم العلم ببعضها، وقد يمتاز بعض الطوائف أو الأجيال بمعرفة شيء من دقائق الخلق بسبب اكتشاف أو تجربة أو تقضي آثار لم يكن يعرفها غير أولئك ثم يستوون فيما بقي تحت طيّ الخفاء من دقائق التكوين، فبهذا الشعور الإجمالي بها وقع عدّها في ضمن الاعتبار بآية خلق الأزواج من جميع النواحي‏.‏

وإذا حمل ‏{‏الأزواج‏}‏ في قوله‏:‏ ‏{‏سبحان الذي خَلَقَ الأزْواجَ كُلَّهَا‏}‏ على المعنى الثاني لهذا اللفظ وهو إطلاقه على الأصناف والأنواع المتمايزة كما في قوله‏:‏ ‏{‏فأخرجنا به أزواجاً من نبات شتى‏}‏ ‏[‏طه‏:‏ 53‏]‏ كانت ‏{‏من في المواضع الثلاثة بيانية، والمجرور بها في فحوى عطف البيان، أو بدل مفصل من مجمل من قوله‏:‏ الأزواج‏}‏ والمعنى‏:‏ الأزواج كلها التي هي‏:‏ ما تنبت الأرض، وأنفسهم، وما لا يعلمون‏.‏ ويدل قوله ‏{‏ومِمَّا لاَ يَعْلمُونَ‏}‏ على محذوف تقديره‏:‏ وما يعلمون، وذلك من دلالة الإِشارة‏.‏

فخص بالذكر أصناف النبات لأن بها قوام معاش الناس ومعاش أنعامهم ودوابهم، وأصناف أنفس الناس لأن العبرة بها أقوى، قال تعالى‏:‏ ‏{‏وفي أنفسكم أفلا تبصرون‏}‏ ‏[‏الذاريات‏:‏ 21‏]‏‏.‏ ثم ذكر ما يعمّ المخلوقات مما يعلمه الناس وما لا يعلمونه في مختلف الأقطار والأجيال والعصور‏.‏ وقدم ذكر النبات إيثاراً له بالأهمية في هذا المقام لأنه أشبه بالبعث الذي أومأ إليه قوله‏:‏ ‏{‏وإن كُلٌّ لما جَميعٌ لدينا مُحْضَرُونَ‏}‏ ‏[‏يس‏:‏ 32‏]‏‏.‏

وتكرير حرف ‏{‏مِن‏}‏ بعد واو العطف للتوكيد على كلا التفسيرين‏.‏

وضمير ‏{‏أنفسهم‏}‏ عائد إلى ‏{‏العِبَادِ‏}‏ في قوله‏:‏ ‏{‏يا حَسْرَةً على العِباد‏}‏ ‏[‏يس‏:‏ 30‏]‏‏.‏ والمراد بهم‏:‏ المكذبون للرسول صلى الله عليه وسلم

تفسير الآية رقم ‏[‏37‏]‏

‏{‏وَآَيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ ‏(‏37‏)‏‏}‏

انتقال إلى دلالة مظاهر العوالم العلوية على دقيق نظام الخالق فيها مما تؤذن به المشاهدة مع التبصر‏.‏ وابتدئ منها بنظام الليل والنهار لتكرر وقوعه أمام المشاهدة لكل راءٍ‏.‏ وجملة ‏{‏نسلخ منه النهار‏}‏ تحتمل جميع الوجوه التي ذكرناها في جملة ‏{‏أحْيَيناهَا‏}‏ ‏[‏يس‏:‏ 33‏]‏ آنفاً‏.‏

والسلخ‏:‏ إزالة الجلد عن حيوانه، وفعله يتعدّى إلى الجلد المزال بنفسه على المفعولية، ولذلك يقال للجلد المزال من جسم الحيوان‏:‏ سِلخ ‏(‏بكسر السين وسكون اللام‏)‏ بمعنى مسلوخ، ولا يقال للجسم الذي أزيل جلده‏:‏ سلخ‏.‏ ويتعدّى فعل سلَخ إلى الجسم الذي أزيل جلده بحرف الجر، والأكثر أنه ‏(‏مِن‏)‏ الابتدائية، ويتعدى بحرف ‏(‏عن‏)‏ أيضاً لما في السلخ من معنى المباعدة والمجاوزة بعد الاتصال‏.‏ فمفعول ‏{‏نَسْلَخُ‏}‏ هنا هو ‏{‏النَّهَارَ‏}‏ بلا ريب، وعدي السلخ إلى ضمير ‏{‏اللَّيْلُ ب ‏(‏من‏)‏ فصار المعنى‏:‏ الليل آية لهم في حال إزالةِ غشاء نور النهار عنه فيبقى عليهم الليل، فشبه النهار بجلد الشاة ونحوها يغطي ما تحته منها كما يغطي النهار ظلمةَ الليل في الصباح‏.‏ وشبه كشف النهار وإزالته بسلخ الجلد عن نحو الشاة فصار الليل بمنزلة جسم الحيوان المسلوخ منه جلده، وليس الليل بمقصود بالتشبيه وإنما المقصود تشبيه زوال النهار عنه فاستتبع ذلك أن الليل يبقى شبه الجسم المسلوخ عنه جلده‏.‏ ووجه ذلك أن الظلمة هي الحالة السابقة للعوالم قبل خلق النور في الأجسام النيّرة لأن الظلمة عدم والنور وجود، وكانت الموجودات في ظلمة قبل أن يخلق الله الكواكب النيّرة ويُوصِل نورها إلى الأجسام التي تستقبلها كالأرض والقمر‏.‏

وإذا كانت الظلمة هي الحالة الأصلية للموجودات فليس يلزم أن تكون أصلية للأرض لأن الظاهر أن الأرض انفصلت عن الشمس نيرة وإنما ظلمة نصف الكرة الأرضية إذا غشيها نور الشمس معتبرة كالجسم الذي غشيه جلده فإذا أزيل النور عادت الظلمة فشبه ذلك بسلخ الجلد عن الحيوان كما قال تعالى في مقابله في سورة الرعد ‏(‏3‏)‏‏:‏ ‏{‏يغشي الليل النهار‏}‏ فليس في الآية دليل على أن أصل أحوال العالم الأرضي هو الظلمة ولكنها ساقت للناس اعتباراً ودلالة بحالةٍ مشاهدة لديهم ففرع عليه فإذا هم مُظلمونَ‏}‏ بناء على ما هو متعارف‏.‏ وقد اعتبر أيمة البلاغة الاستعارة في الآية أصلية تبعية ولم يجعلوها تمثيلية لما قدمناه من أن المقصود بالتشبيه هو حالة زوال نور النهار عن الأفق فتخلفها ظلمة الليل لقوله‏:‏ ‏{‏فَإذَا هُم مُظلمونَ‏}‏‏.‏

وإسناد ‏{‏مُظْلِمُونَ‏}‏ إلى الناس من إسناد إفعال الذي الهمزة فيه للدخول في الشيء مثل أصبح وأمسى‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏38‏]‏

‏{‏وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ ‏(‏38‏)‏‏}‏

‏{‏الشمس‏}‏ يجوز أن يكون معطوفاً على ‏{‏اللَّيْلُ‏}‏ من قوله‏:‏ ‏{‏وءايَةٌ لهم اللَّيْلُ‏}‏ ‏[‏يس‏:‏ 37‏]‏ عطفَ مفرد على مفرد ويقدر له خبر مماثل لخبر الليل، والتقدير‏:‏ والشمس آية لهم، وتكون جملة ‏{‏تَجْرِي‏}‏ حالاً من ‏{‏الشمس‏}‏ مثل جملة ‏{‏نَسْلَخُ منه النَّهَارَ‏}‏ ‏[‏يس‏:‏ 37‏]‏‏.‏

ويجوز أن يكون عطفَ جملة على جملة ويكون قوله‏:‏ ‏{‏تَجْرِي‏}‏ خبراً عن ‏{‏الشمس‏}‏‏.‏ وأيَّاما كان فهو تفصيل لإِجمال جملة ‏{‏وءاية لهم الليل نسلخ منه النهار‏}‏ ‏[‏يس‏:‏ 37‏]‏ الخ كما دل عليه قوله الآتي‏:‏ ‏{‏ولا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ‏}‏ ‏[‏يس‏:‏ 40‏]‏، وكان مقتضى الظاهر من كونه تفصيلاً أن لا يعطف فيقال‏:‏ الشمسُ تجري لمستقر لها، فخولف مقتضى الظاهر لأن في هذا التفصيل آيةً خاصة وهي آية سير الشمس والقمر‏.‏

وقدم التنبيه على آية الليل والنهار لما ذكرناه هنالك؛ فكانت آية الشمس المذكورة هنا مراداً بها دليل آخر على عظيم صنع الله تعالى وهو نظام الفصول‏.‏

وجملة ‏{‏تَجْرِي لِمُسْتقر لها‏}‏ يحتمل الوجوه التي ذكرناها في جملة ‏{‏أحييناها‏}‏ ‏[‏يس‏:‏ 33‏]‏ من كونها حالاً أو بياناً لجملة ‏{‏وءَايَةٌ لهُم‏}‏ ‏[‏يس‏:‏ 37‏]‏ أو بدل اشتمال من ‏{‏وءَايَةٌ‏.‏

والجري حقيقته‏:‏ السير السريع وهو لذوات الأرْجل، وأطلق مجازاً على تنقل الجسم من مكان إلى مكان تنقلاً سريعاً بالنسبة لتنقل أمثال ذلك الجسم، وغلب هذا الإِطلاق فساوى الحقيقة وأريد به السير في مسافات متباعدة جِدَّ التباعد فتقطعها في مدة قصيرة بالنسبة لتباعد الأرض حول الشمس‏.‏ وهذا استدلال بآثار ذلك السير المعروفةِ للناس معرفةً إجمالية بما يحسبون من الوقت وامتداد الليل والنهار وهي المعرفة لأهل المعرفة بمراقبة أحوالها من خاصة الناس وهم الذين يرقبون منازل تنقلها المسماة بالبروج الاثني عشر، والمعروفةِ لأهل العلم بالهيئة تفصيلاً واستدلالاً وكل هؤلاء مخاطبون بالاعتبار بما بلغه علمهم‏.‏

والمستقر‏:‏ مكان الاستقرار، أي القرار أو زمانه، فالسين والتاء فيه للتأكيد مثل‏:‏ استجاب بمعنى أجاب‏.‏ واللام في لِمُستَقَرٍ‏}‏ يجوز أن تكون لام التعليل على ظاهرها، أي تجري لأجل أن تستقر، أي لأجل أن ينتهي جريها كما ينتهي سير المسافر إذا بلغ إلى مكانه فاستقر فيه، وهو متعلق ب ‏{‏تجري‏}‏ على أنه نهاية له لأن سير الشمس لما كانت نهايته انقطاعَه نُزّل الانقطاع عنه منزلة العلة كما يقال‏:‏ «لِدُوا للموت وابنوا للخراب»‏.‏

وتنزيل النهاية منزلة العلة مستعمل في الكلام، ومنه قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدواً وحزناً‏}‏ ‏[‏القصص‏:‏ 8‏]‏‏.‏ والمعنى‏:‏ أنها تسير سيراً دائباً مشاهداً إلى أن تبلغ الاحتجاب عن الأنظار‏.‏

ويجوز أن تكون اللام بمعنى ‏(‏إلى‏)‏، أي تجري إلى مكان استقرارها وهو مكان الغروب، شبه غروبها عن الأبصار بالمستقَر والمأوَى الذي يأوي إليه المرء في آخر النهار بعد الأعمال‏.‏ وقد ورد تقريب ذلك في حديث أبي ذر الهروي في صحيحي «البخاري» و«مسلم» و«جامع الترمذي» بروايات مختلفة حاصل ترتيبها أنه قال‏:‏

‏"‏ كنتُ مع رسول الله في المسجد عند غروب الشمس فسألته ‏(‏أو فقال‏)‏‏:‏ إن هذه تجري حتى تنتهي إلى مستقرها تحت العرش فتخرَّ ساجدة فلا تزال كذلك حتى يقال لها‏:‏ ارتفعي ارجعي من حيث جئت فترجع فتصبح طالعةً من مطلعها ثم تجري حتى تنتهي إلى مستقرها تحت العرش فتخر ساجدة ولا تزال كذلك حتى يقال لها‏:‏ ارتفعي ارجعي من حيث جئت فترجع فتصبح طالعة من مطلعها، ثم تجري لا يستنكر الناس منها شيئاً حتى تنتهي إلى مستقرها ذاك تحت العرش فيقال لها‏:‏ ارتفعي أصبحي طالعة من مغربك فتصبح طالعة من مغربها فذلك مستقرّ لها ومستقرها تحت العرش فذلك قوله تعالى‏:‏ ‏{‏والشمس تجري لمستقر لها‏}‏ ‏"‏ وهذا تمثيل وتقريب لسير الشمس اليومي الذي يبتدئ بشروقها على بعض الكرة الأرضية وينتهي بغروبها على بعض الكرة الأرضية، في خطوط دقيقة، وبتكرر طلوعها وغروبها تتكون السنة الشمسية‏.‏

وقد جعل الموضع الذي ينتهي إليه سيرها هو المعبر عنه بتحت العرش وهو سمت معيّن لا قبل للناس بمعرفته، وهو منتهى مسافة سيرها اليومي، وعنده ينقطع سيرها في إبان انقطاعه وذلك حين تطلع من مغربها، أي حين ينقطع سير الأرض حول شعاعها لأن حركة الأجرام التابعة لنظامها تنقطع تبعاً لانقطاع حركتها هي وذلك نهاية بقاء هذا العالم الدنيوي‏.‏

واللام في قوله ‏{‏لها‏}‏ لام الاختصاص وهو صفة ‏{‏لِمُسْتَقَر‏}‏‏.‏ وعُدل عن إضافة مستقر لضمير الشمس المغنية عن إظهار اللام إلى الإِتيان باللام ليتأتى تنكير «مستقر» تنكيراً مشعراً بتعظيم ذلك المستقر‏.‏

وكلام النبي صلى الله عليه وسلم هذا تمثيل لحال الغروب والشروق اليوميين‏.‏ وجعل سجود الشمس تمثيلاً لتسخرها لتسخير الله إياها كما جعل القول تمثيلاً له في آية ‏{‏فقال لها وللأرض ائتيا طوعاً أو كرهاً قالتا أتينا طائعين‏}‏ ‏[‏فصلت‏:‏ 11‏]‏‏.‏

واعلم أن قوله‏:‏ ‏{‏لِمُستقر لها‏}‏ إدماج للتعليم في التذكير وليس من آية الشمس للناس لأن الناس لا يشعرون به فهو كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏ليقضى أجل مسمى‏}‏ ‏[‏الأنعام‏:‏ 60‏]‏ عقب الامتنان بقوله‏:‏ ‏{‏وهو الذي يتوفاكم بالليل ويعلم ما جرحتم بالنهار ثم يبعثكم فيه ليقضى أجل مسمى ثم إليه مرجعكم‏}‏ ‏[‏الأنعام‏:‏ 60‏]‏‏.‏

والإشارة ب ‏{‏ذلك تقديرُ العَزِيزِ العلِيمِ‏}‏ إلى المذكور‏:‏ إما من قوله‏:‏ ‏{‏والشَّمْسُ تَجْرِي‏}‏ أي ذلك الجري، وإما منه ومن قوله‏:‏ ‏{‏وءايَة لهم اللَّيْلُ‏}‏ ‏[‏يس‏:‏ 37‏]‏ أي ذلك المذكور من تعاقب الليل والنهار‏.‏

وذكر صفتي ‏{‏العَزِيزِ العَلِيمِ‏}‏ لمناسبة معناهما للتعلق بنظام سير الكواكب، فالعزة تناسب تسخير هذا الكوكب العظيم، والعلم يناسب النظام البديع الدقيق، وتقدم تفصيله عند قوله تعالى‏:‏ ‏{‏تبارك الذي جعل في السماء بروجاً‏}‏ في سورة الفرقان‏}‏ ‏(‏61‏)‏‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏39‏]‏

‏{‏وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ ‏(‏39‏)‏‏}‏

قرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو وروححِ عن يعقوب برفع ‏{‏والقَمَرُ‏}‏ فهو إما معطوف على ‏{‏والشمس تجري‏}‏ ‏[‏يس‏:‏ 38‏]‏ عطفَ المفردات، وإما مبتدأ والعطف من عطف الجمل‏.‏

وجملة ‏{‏قَدَّرْناهُ‏}‏ إما حال وإما خبر‏.‏ وقرأه ابن عامر وعاصم وحمزة والكسائي وأبو جعفر ورويس عن يعقوب وخلَفٌ بنصب ‏{‏القمرَ‏}‏ على الاشتغال فهو إذن من عطف الجمل‏.‏

وتقدّم تفسير منازل القمر عند قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وقدره منازل لتعلموا عدد السنين والحساب‏}‏ في سورة يونس‏}‏ ‏(‏5‏)‏‏.‏

والتقدير‏:‏ يطلق على جعل الأشياء بقدْر ونظام محكم، ويطلق على تحديد المقدار من شيء تطلب معرفة مقداره مثل تقدير الأوقات وتقدير الكميات من الموزونات والمعدودات، وكلا الإِطلاقين مراد هنا‏.‏ فإن الله قدّر للشمس والقمر نظامَ سيرهما وقدّر بذلك حساب الفصول السنوية والأشهر والأيام والليالي‏.‏

وعُدّي فعل ‏{‏قَدَّرْناهُ‏}‏ إلى ضمير ‏{‏القمر‏}‏ الذي هو عبارة عن ذاته وإنما التقدير لسيره ولكن عدي التقدير إلى اسم ذاته دون ذكر المضاف مبالغة في لزوم السَّير له من وقت خَلقه حتى كأنَّ تقدير سيره تقدير لذاته‏.‏

وانتصب ‏{‏مَنَازِلَ‏}‏ على الظرفية المكانية مثل‏:‏ سرت أميالاً، أي قدرنا سيره في منازل ينتقل بسيره فيها منزلة بعد أخرى‏.‏

و ‏{‏حتى‏}‏ ابتدائية، أي ليست حرف جر فإن ما بعدها جملة‏.‏ ومعنى الغاية لا يفارق ‏{‏حتى‏}‏ فآذن ما فيها من معنى الغاية بمغيّا محذوف فالغاية تستلزم ابتداء شيء‏.‏ والتقدير‏:‏ فابتدأ ضوؤه وأخذ في الازدياد ليلة قليلة ثم أخذ في التناقص حتى عاد، أي صار كالعرجون القديم، أي شبيهاً به‏.‏ وعبر عنه بهذا التشبيه إذ ليس لضوء القمر في أواخر لياليه اسم يعرف به بخلاف أول أجزاء ضوئه المسمّى هلالاً، ولأن هذا التشبيه يماثل حالة استهلاله كما يماثل حالة انتهائه‏.‏

و ‏{‏عَادَ‏}‏ بمعنى صار شكله للرائي كالعرجون‏.‏ والعرجون‏:‏ العود الذي تخرجه النخلة فيكون الثمر في منتهاه وهو الذي يبقى متصلاً بالنخلة بعد قطع الكَبَاسَة منه وهي مجتمع أعواد التمر‏.‏

و ‏{‏القديم‏}‏‏:‏ هو البالي لأنه إذا انقطع الثمر تَقوس واصفَارّ وتضاءل فأشبه صورة ما يواجه الأرض من ضوء القمر في آخر ليالي الشهر وفي أول ليلة منه، وتركيب ‏{‏عَادَ كالعُرجُوننِ القَدِيمِ‏}‏ صالح لصورة القمر في الليلة الأخيرة وهي التي يعقبها المحاق ولصورته في الليلة الأولى من الشهر هو الهلال‏.‏ وقد بُسط لهم بيان سير القمر ومنازله لأنهم كانوا يتقنون علمه بخلاف سير الشمس‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏40‏]‏

‏{‏لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ ‏(‏40‏)‏‏}‏

لما جرى ذكر الشمس والقمر في معرض الآيات الدالة على انفراده تعالى بالخلق والتدبير وعلى صفات إلهيته التي من متعلِّقاتها تعلق صفة القدرة بآية الشمس وسيرها، والقمر وسيره، وقد سمّاها بعض المتكلمين صفات الأفعال وكان الناس يعرفون تقارب الشمس والقمر فيما يراه الراءون، وكانوا يقدرون سيرهما بأسمات معلَّمة بعلامات نجومية تسمى بُروجاً بالنسبة لسير الشمس، وتسمى منازل بالنسبة لسير القمر، وكانوا يعلمون شدة قرب المنازل القمرية من البروج الشمسية فإن كل برج تسامته منزلتان أو ثلاث منازل، وبعض نجوم المنازل هي أجزاء من نجوم البروج، زادهم الله عبرة وتعليماً بأن للشمس سيراً لا يلاقي سير القمر، وللقمر سيراً لا يلاقي سير الشمس ولا يمر أحدهما بطرائق مسير الآخر وأن ما يتراءى للناس من مشاهدة الشمس والقمر في جو واحد وفي حجمين متقاربين، وما يتراءى لهم من تقارب نجوم بروج الشمس ونجوم منازل القمر، إن هو إلا من تخيلات الأبصار وتفاوت المقادير بين الأجرام والأبعاد‏.‏

فالكرة العظيمة كالشمس تبدو مقاربة لكرة القمر في المرأى وإنما ذلك من تباعد الأبعاد فأبعاد فلك الشمس تفوت أبعاد فلك القمر بمئات الملايين من الأميال، حتى يلوح لنا حجم الشمس مقارباً لحجم القمر‏.‏ فبين الله أنه نظم سير الشمس والقمر على نظام يستحيل معه اتصال إحدى الكرتين بالأخرى لشدة الأبعاد بين مداريهما‏.‏

فمعنى‏:‏ ‏{‏لا الشَّمْسُ يَنْبغي لها أن تُدْرِكَ القَمَر‏}‏ نفي انبغاء ذلك، أي نفي تأتِّيه، لأن انبغى مطاوع بغى الذي هو بمعنى طلب، فانبغى يفيد أن الشيء طُلب فحصل للذي طَلبه، يقال‏:‏ بغاه فانبغَى له، فإثبات الانبغاء يفيد التمكن من الشيء فلا يقتضي وجوباً، ونفي الانبغاء يفيد نفي إمكانه ولذلك يكنى به عن الشيء المحظور‏.‏ يقال‏:‏ لا ينبغي لك كذا، ففرقٌ ما بين قولك‏:‏ ينبغي أن لا تفعل كذا، وبين قولك‏:‏ لا ينبغي لك أن تفعل كذا، قال تعالى‏:‏ ‏{‏قالوا سبحانك ما كان ينبغي أن نتخذ من دونك من أولياء‏}‏ ‏[‏الفرقان‏:‏ 18‏]‏ وتقدم قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وما ينبغي للرحمان أن يتخذ ولداً‏}‏ في سورة مريم ‏(‏92‏)‏، ومنه قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وما علمناه الشعر وما ينبغي له‏}‏ ‏[‏يس‏:‏ 69‏]‏ في هذه السورة‏.‏

والإِدراك‏:‏ اللحاق والوصول إلى البُغية فقوله‏:‏ ‏{‏أن تُدرك‏}‏ فاعل ‏{‏يَنْبَغِي‏}‏ فأفاد الكلام نفي انبغاء إدراك الشمسسِ القمرَ‏.‏ والمعنى‏:‏ نفي أن تصطَدم الشمس بالقمر، خلافاً لما يبدو من قرب منازلهما فإن ذلك من المسامتة لا من الاقتراب‏.‏ وصوغ هذا بصيغة الإِخبار عن المسند إليه بالمسند الفعلي لإِفادة تقوّي حكم النفي فذلك أبلغ في الانتفاء مما لو قيل‏:‏ لا ينبغي للشمس أن تدرك القمر‏.‏

وافتتاح الجملة بحرف النفي قبل ذكر الفعل المنفي ليكون النفي متقرراً في ذهن السامع أقوى مما لو قيل‏:‏ الشمسُ لا ينبغي لها أن تدرك القمر، فكان في قوله‏:‏ ‏{‏لا الشَّمْسُ ينبغي لها أن تُدْرِكَ القَمَر‏}‏ خُصوصيتان‏.‏

ولمَّا ذكر الشمس والقمر وكانت الشمس مقارنة للنهار في مخيلات البشر، وكان القمر مقارناً لليل، وكان في نظام الليل والنهار منافع للناس اعترض بذكر نظام الشمس والقمر أثناء الاعتبار بنظام الليل والنهار‏.‏

ومعنى‏:‏ ‏{‏ولاَ الليْلُ سَابِقُ النَّهَارِ‏}‏ أن الليل ليس بمفلتتٍ للنهار، فالسبق بمعنى التخلص والنجاة، كقول مُرة بن عَدَّاء الفقعسي‏:‏

كأنَّكَ لم تَسبَقْ من الدهر مَرَّةً *** إذا أنتَ أدركت الذي كنتَ تطلب

‏{‏أم حسب الذين يعملون السيئات أن يسبقونا‏}‏ في سورة العنكبوت‏}‏ ‏(‏4‏)‏، والمعنى‏:‏ أن انسلاخ النهار على الليل أمر مسخّر لا قبل لليل أن يتخلف عنه‏.‏

ولا يستقيم تفسير السبق هنا بمعناه المشهور وهو الأوَّلية بالسير لأن ذلك لا يُتصور في تداول الليل والنهار، ولا أن يكون المراد بالسبق ابتداءَ التكوين إذ لا يتعلق بذلك غرض مهم في الآية، على أن الشأن أن تكون الظلمة أسبق في التكوين‏.‏ والغرض التذكير بنعمة الليل ونعمة النهار فإن لكليهما فوائد للناس فلو تخلص أحدهما من الآخرِ فاستقرّ في الأفق لتعطلت منافع جمّة من حياة الناس والحيوان‏.‏

وفي الكلام اكتفاء، أي لأن التقدير‏:‏ ولا القمرُ يدرك الشمسَ، ولا النهارُ سابق الليل‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏وكُلٌّ في فَلَككٍ يَسْبَحُونَ‏}‏ عطف على جملة ‏{‏لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر‏}‏‏.‏ والواو عاطفة ترجيحاً لِجانب الإِخبار بهذه الحقيقة على جانب التذييل، وإلا فحقّ التذييل الفصل‏.‏ وما أضيف إليه ‏{‏كلّ‏}‏ محذوف، وتنوين ‏{‏كل‏}‏ تنوين عوض عن المضاف إليه المحذوففِ، فالتقدير‏:‏ وكلّ الكواكب‏.‏

وزيدت قرينة السياق تأكيداً بضمير الجمع في قوله‏:‏ ‏{‏يَسْبَحُونَ‏}‏ مع أن المذكور من قبل شيئان لا أشياء، وبهذا التعميم صارت الجملة في معنى التذييل‏.‏

والفَلَك‏:‏ الدائرة المفروضة في الخلاء الجوّي لسير أحد الكواكب سيراً مطّرداً لا يحيد عنه، فإن أهل الأرصاد الأقدمين لما رصدوا تلك المدارات وجدوها لا تتغير ووجدوا نهايتها تتصل بمبتداها فتوهموها طرائق مستديرة تسير فيها الكواكب كما تتقلب الكرة على الأرض وربما توسعوا في التوهم فظنوها طرائق صلبة ترتكز عليها الكواكب في سيرها وبعض الأمم يتوهمون الشمس في سيرها مجرورة بسلاسل وكلاليب وكان ذلك في معتقد القبط بمصر‏.‏

وسمّى العرب تلك الطرائق أفلاكاً واحدها فَلَك اشتقوا له اسماً من اسم فَلْكَة المِغْزَل، وهي عُود في أعلاه خشبة مستديرة متبطحة مثل التفاحة الكبيرة تلفُّ المرأة عليها خيوط غزلها التي تفتلها لتديرها بكفّيها فتلتف عليها خيوط الغزل، فتوهموا الفلك جسماً كُرويا وتوهموا الكواكب موضوعة عليه تدور بدورته ولذلك قدروا الزمان بأنه حركة الفَلَك‏.‏ وسمّوا ما بين مبدأ المُدّتين حتى ينتهي إلى حيث ابتدأ دورة الفلك‏.‏ ولكن القرآن جاراهم في الاسم اللغوي لأن ذلك مبلغ اللغة وأصلح لهم ما توهموا بقوله‏:‏ ‏{‏يَسْبَحُونَ‏}‏، فبطل أن تكون أجرام الكواكب ملتصقة بأفلاكها ولزم من كونها سابحة أن طرائق سيرها دوائر وهمية لأن السبح هنا سبح في الهواء لا في الماء، والهواء لا تخطط فيه الخطوط ولا الأخاديد‏.‏

وجيء بضمير ‏{‏يَسْبَحُونَ‏}‏ ضمير جمع مع أن المتقدم ذِكره شيئان هما الشمس والقمر لأن المراد إفادة تعميم هذا الحكم للشمس والقمر وجميع الكواكب وهي حقيقة علمية سبق بها القرآن‏.‏

وجملة ‏{‏كل في فلك‏}‏ فيها محسن الطرد والعكس فإنها تقرأ من آخرها كما تقرأ من أولها‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏41- 44‏]‏

‏{‏وَآَيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ ‏(‏41‏)‏ وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ ‏(‏42‏)‏ وَإِنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ فَلَا صَرِيخَ لَهُمْ وَلَا هُمْ يُنْقَذُونَ ‏(‏43‏)‏ إِلَّا رَحْمَةً مِنَّا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ ‏(‏44‏)‏‏}‏

انتقال من عدّ آيات في الأرض وفي السماء إلى عد آية في البحر تجمع بين العبرة والمنة وهي آية تسخير الفُلْك أن تسير على الماء وتسخير الماء لتطفو عليه دون أن يغرقها‏.‏

وقد ذكَّر الله الناس بآية عظيمة اشتهرت حتى كانت كالمشاهدة عندهم وهي آية إلهام نوح صنع السفينة ليحمل الناس الذين آمنوا ويحمل من كل أنواع الحيوان زوجين لينجي الأنواع من الهلاك والاضمحلال بالغرق في حادث الطوفان‏.‏ ولما كانت هذه الآية حاصلة لفائدة حمل أزواج من أنواع الحيوان جُعلت الآية نفس الحمل إدماجاً للمنة في ضمن العبرة فكأنه قيل‏:‏ وآية لهم صنع الفُلك لنحمل ذرياتهم فيه فحملناهم‏.‏

وأطلق الحَمل على الإِنجاء من الغرق على وجه المجاز المرسل لعلاقة السببية والمسببية، أي أنجينا ذرياتهم من الغرق بحملهم في الفُلك حين الطوفان‏.‏

والذريات‏:‏ جمع ذرية وهي نسل الإِنسان‏.‏ و‏{‏الفلك المشحون‏}‏‏:‏ هو المعهود بين البشر في قصة الطوفان، وهو هنا مفرد بقرينة وصفه بالمفرد وهو ‏{‏المَشْحُونِ‏}‏ ولم يقل‏:‏ المشحونة كما قال‏:‏ ‏{‏وترى الفلك فيه مواخر‏}‏ ‏[‏فاطر‏:‏ 12‏]‏ وهو فلك نوح فقد اشتهر بهذا الوصف في القرآن كما في سورة الشعراء ‏(‏119‏)‏ ‏{‏فأنجيناه ومن معه في الفلك المشحون‏}‏ ولم يوصف غير فلك نوح بهذا الوصف‏.‏

وتعدية حَمَلْنَا‏}‏ إلى الذريات تعدية على المفعولية المجازية وهو مجاز عقلي فإن المجاز العقلي لا يختص بالإِسناد بل يكون المجاز في التعليق فإن المحمول أصول الذريات لا الذريات وأصولها ملابسة لها‏.‏

ولما كانت ذريات المخاطبين مما أراد الله بقاءه في الأرض حين أمر نوحاً بصنع الفلك لإِنجاء الأنواع وأمره بحمل أزواج من الناس هم الذين تولد منهم البشر بعد الطوفان نُزّل البشر كله منزلة محمولين في الفلك المشحون في زمن نوح، وذكر الذريات يقتضي أن أصولهم محمولون بطريق الكناية إيجازاً في الكلام، وأن أنفسهم محمولون كذلك كأنه قيل‏:‏ إنا حملنا أُصولهم وحملناهم وحملنا ذرياتهم، إذ لولا نجاة الأصول ما جاءت الذريّات، وكانت الحكمة في حمل الأصول بقاء الذريات فكانت النعمة شاملة للكل، وهذا كالامتنان في قوله‏:‏ ‏{‏إنّا لمّا طغى الماءُ حملناكم في الجارية لنجعلها لكم تذكرة‏}‏ ‏[‏الحاقة‏:‏ 11، 12‏]‏‏.‏

وضمير ‏{‏ذُرَّيَاتَهُم‏}‏ عائد إلى ما عاد إليه ضمير ‏{‏لَهُمْ‏}‏ أي العباد المراد بهم المشركون من أهل مكة لكنهمْ لوحظوا هنا بعنوان كونهم من جملة البشر، فالمعنى‏:‏ آية لهم أنا حملنا ذريات البشر في سفينة نوح وذلك حين أمر الله نوحاً بأن يحمل فيها أهله والذين آمنوا من قومه لبقاء ذريات البشر فكان ذلك حملاً لذرياتهم ما تسلسلت كما تقدم آنفاً‏.‏

هذا هو تأويل هذه الآية قال القرطبي‏:‏ وهي من أشكل ما في السورة، وقال ابن عطية‏:‏ «قد خلط بعض الناس حتى قالوا‏:‏ الذرية تطلق على الآباء وهذا لا يعرف من اللغة» وتقدم قوله‏:‏

‏{‏وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذرياتهم‏}‏ في سورة الأعراف ‏(‏172‏)‏‏.‏

وقرأ نافع وابن عامر ‏{‏ذرياتهم‏}‏ بلفظ الجمع‏.‏ وقرأه الباقون بدون ألف بصيغة اسم الجمع، والمعنى واحد‏.‏ وقد فهم من دلالة قوله‏:‏ ‏{‏أنَّا حَمَلْنَا ذُرِيَّاتَهُمْ‏}‏ صريحاً وكناية أن هذه الآية مستمرة لكل ناظر إذ يشهدون أسفارهم وأسفار أمثالهم في البحر وخاصة سكان الشطوط والسواحل مثل أهل جُدة وأهل يُنْبُع إذ يسافرون إلى بلاد اليمن وبلاد الحبشة فيفهم منه‏:‏ أنا حملنا ونحمل وسنحمل أسلافهم وأنفسهم وذرياتهم‏.‏ وقد وصف طرفة السفن في معلّقته‏.‏

وجملة ‏{‏وخَلَقْنَا لهُمْ مِن مِثْلِهِ ما يركَبُونَ‏}‏ معترضة في خلال آية البحر اقتضتها مراعاة النظير تذكيراً بنعمة خلق الإِبل صالحة للأسفار فحُكيت آية الإِلهام بصنع الفلك من حيث الحكمة العظيمة في الإِلهام وتسخير البحر لها وإيجادها في وقت الحاجة لحفظ النوع، فلذلك لم يؤت في جانبها بفعل الخلق المختص بالإِيجاد دون صنع الناس‏.‏ وحكيت آية اتخاذ الرواحل بفعل ‏{‏خلقنا‏}‏، ونظير هذه المقارنة قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وجعل لكم من الفلك والأنعام ما تركبون‏}‏ ‏[‏الزخرف‏:‏ 12‏]‏، فَمَا صدْق ‏{‏مَا يَركَبُونَ‏}‏ هنا هو الرواحل خاصة لأنها التي تشبه الفلك في جعلها قادرة على قطع الرمال كما جعل الفلك صالحاً لمخْر البحار، وقد سمت العرب الرواحل سفائن البرّ و‏{‏مِن‏}‏ التي في قوله‏:‏ ‏{‏مِن مِثلِهِ‏}‏ بيانية بتقديم البيان على المبين وهو جائز على الأصح، أو مؤكدة ومجرورها أصله حال من ‏{‏ما‏}‏ الموصولة في قوله‏:‏ ‏{‏ما يركَبُون‏}‏‏.‏ والمراد المماثلة في العظمة وقوة الحمل ومداومة السير وفي الشكل‏.‏

وجملة ‏{‏وإن نَشَأْ نُغْرِقهُم‏}‏ عطف على جملة ‏{‏أنَّا حَمَلْنَا ذُرّيَّاتَهُم‏}‏ باعتبار دلالتها الكنائية على استمرار هذه الآية وهذه المنة تذكيراً بأن الله تعالى الذي امتنّ عليهم إذا شاء جعل فيما هو نعمة على الناس نقمة لهم لحكمة يعلمها‏.‏ وهذا جرى على عادة القرآن في تعقيب الترغيب بالترهيب وعكسِه لئلا يبطر الناس بالنعمة ولا ييأسوا من الرحمة‏.‏ وقرينة ذلك أنه جيء في هذه الجملة بالمضارع المتمحّض في سياق الشرط لكونه مستقبلاً، وهذا كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏أفأمِنتم أن يخسف بكم جانب البر أو يرسل عليكم حاصباً ثم لا تجدوا لكم وكيلاً أم أمنتم أن يعيدكم فيه تارة أخرى فيرسل عليكم قاصفاً من الريح فيغرقكم بما كفرتم ثم لا تجدوا لكم علينا به تبيعاً‏}‏ ‏[‏الإسراء‏:‏ 6869‏]‏‏.‏

والصريخ‏:‏ الصارخ وهو المستغيث المستنجد تقول العرب‏:‏ جاءهم الصريخ، أي المنكوب المستنجد لينقذوه، وهو فعيل بمعنى فاعل‏.‏ ويطلق الصريخ على المغيث فعيل بمعنى مفعول، وذلك أن المنجد إذا صرخ به المستنجد صرخ هو مجيباً بما يطمئن له من النصر‏.‏ وقد جمع المعنيين قول سلامة بن جندل أنشده المبرد في «الكامل»‏:‏

إنا إذا أتانا صارخ فزع *** كان الصُراخ له قَرع الظَنابيب

والظنابيب‏:‏ جمع ظُنبوب وهو مسمار يكون في جُبة السنان‏.‏ وقرع الظنابيب تفقد الأسنة استعداداً للخروج‏.‏

والمعنى‏:‏ لا يجدون من يستصرخون به وهم في لُجج البحر ولا ينقذهم أحد من الغرق‏.‏

والإنقاذ‏:‏ الانتشال من الماء‏.‏

وتقديم المسند إليه على المسند الفعلي في قوله‏:‏ ‏{‏ولا هم يُنقَذُونَ‏}‏ لإِفادة تقوّي الحكم وهو نفي إنقاذ أحدٍ إياهم‏.‏

والاستثناء في قوله‏:‏ ‏{‏إلاَّ رَحْمَةً‏}‏ منقطع فإن الرحمة ليست من الصريخ ولا من المنقذ وإنما هي إسعاف الله تعالى إياهم بسكون البحر وتمكينهم من السبح على أعواد الفلك‏.‏

و ‏{‏وَمَتاعاً‏}‏ عَطف على ‏{‏رَحْمَةً‏}‏، أي إلاّ رحمة هي تمتيع إلى أجل معلوم فإن كل حي صائر إلى الموت فإذا نجا من موته استقبلته موتة أخرى ولكن الله أودع في فطرة الإِنسان حبّ زيادة الحياة مع علمه بأنه لا محيد له عن الموت‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏45- 46‏]‏

‏{‏وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّقُوا مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَمَا خَلْفَكُمْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ‏(‏45‏)‏ وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آَيَةٍ مِنْ آَيَاتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ ‏(‏46‏)‏‏}‏

تخلص الكلام من عدم انتفاعهم بالآيات الدالة على وحدانية الله إلى عدم انتفاعهم بالأقوال المبلَّغة إليهم في القرآن من الموعظة، والتذكير بما حلّ بالأمم المكذبة أن يصيبهم مثلُ ما أصابهم، وبعدم انتفاعهم بتذكير القرآن إياهم بالأدلة على وحدانية الله، وعلى البعث‏.‏

وبناء فعل ‏{‏قِيلَ‏}‏ للمجهول لظهور أن القائل هو الرسول صلى الله عليه وسلم في تبليغه عن الله تعالى، أي قيل لهم في القرآن‏.‏

وما بين الأيدي يراد منه المستقبل، وما هو خلف يراد منه الماضي، قال تعالى حكاية عن عيسى عليه السلام‏:‏ ‏{‏مصدقاً لما بين يديَّ من التوراة‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 50‏]‏، أي ما تقدمني‏.‏ وذلك أن أصل هذين التركيبين تمثيلان فتارة ينظرون إلى تمثيل المضاف إليه بسائر إلى مكان فالذي بين يديه هو ما سيرد هو عليه، والذي من ورائه هو ما خلَّفه خلْفه في سيره، وتارة ينظرون إلى تمثيل المضاف بسائر، فهو إذا كان بين يدي المضاف إليه فقد سبقه في السير فهو سَابق له وإذا كان خلف المضاف إليه فقد تأخر عنه فهو وارد بعده‏.‏

وقد فسرت هذه الآية بالوجهين فقيل‏:‏ ما بين أيديكم من أمر الآخرة وما خلفكم من أحوال الأمم في الدنيا، وهو عن مجاهد وابن جبير عن ابن عباس‏.‏ وقيل‏:‏ ما بين أيديكم أحوال الأمم في الدنيا وما خلفكم من أحوال الآخرة وهو عن قتادة وسفيان‏.‏ ومتى حمل أحد الموصولَين على ما سبق من أحوال الأمم وجب تقدير مضافين قبل ‏{‏ما‏}‏ الموصولة هما المفعول، أي اتقوا مثلَ أحوال ما بين أيديكم، أو مثل أحوال ما خلفكم، ولا يقدر مضافان في مقابله لأن مَا صْدَق ‏{‏ما‏}‏ الموصولة فيه حينئذٍ هو عذاب الآخرة فهو مفعول ‏{‏اتَّقُوا‏}‏‏.‏ وتقدم قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فجعلناها نكالاً لما بين يديها وما خلفها‏}‏ في سورة البقرة ‏(‏66‏)‏‏.‏

و ‏(‏لعلّ‏)‏ للرجاء، أي ترجى لكم رحمة الله، لأنهم إذا اتقوا حذروا ما يوقع في المتقى فارتكبوا واجتنبوا وبادروا بالتوبة فيما فرط فرضي ربهم عنهم فرحِمهم بالثواب وجنّبهم العقاب‏.‏ والكلام في ‏(‏لعل‏)‏ الواردة في كلام الله تعالى تقدم عند قوله تعالى‏:‏ ‏{‏يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون‏}‏ في سورة البقرة ‏(‏21‏)‏‏.‏

وجواب ‏{‏إذا‏}‏ محذوف دل عليه قوله في الجملة المعطوفة ‏{‏إلاَّ كَانُوا عنها مُعْرِضِينَ‏}‏‏.‏ فالتقدير هنا‏:‏ كانوا معرضين‏.‏

وجملة ‏{‏ما تأتِيهم من ءايَةٍ من ءاياتت ربِهم إلاَّ كانوا عَنها مُعْرِضين‏}‏ واقعة موقع التذييل لما قبلها، ففيها تعميم أحوالهم وأحواللِ ما يُبلَّغونه من القرآن؛ فكأنه قيل‏:‏ وإذا قيل لهم اتقوا أعرضوا، والإِعراض دأبهم في كل ما يقال لهم‏.‏

والآيات‏:‏ آيات القرآن التي تنزل فيقرؤها النبي صلى الله عليه وسلم عليهم، فأطلق على بلوغها إليهم فعل الإِتيان ووصفها بأنها من آيات ربهم للتنويه بالآيات والتشنيع عليهم بالإِعراض عن كلام ربهم كفراً بنعمة خلقه إياهم‏.‏

و ‏{‏ما‏}‏ نافية، والاستثناء من أحوال محذوفة، أي ما تأتيهم آية في حال من أحوالهم إلا كانوا عنها معرضين‏.‏ وجملة ‏{‏كانُوا عنها مُعْرِضِينَ‏}‏ في موضع الحال‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏47‏]‏

‏{‏وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آَمَنُوا أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ ‏(‏47‏)‏‏}‏

كانوا مع ما هم عليه من الكرم يشحّون على فقراء المسلمين فيمنعونهم البذل تشفّياً منهم فإذا سمعوا من القرآن ما فيه الأمر بالإِنفاق أو سألهم فقراء المسلمين من فضول أموالهم أو أن يعطوهم ما كانوا يجعلونه لله من أموالهم الذي حكاه الله عنهم بقوله‏:‏ ‏{‏وجعلوا للَّه مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيباً‏}‏ ‏[‏الأنعام‏:‏ 136‏]‏ فلعل من أسلم من الفقراء سألوا المشركين ما اعتادوا يعطونهم قَبْل إسلامهم فيقولون أعطوا مما رزقكم الله وقد سمعوا منهم كلمات إسلامية لم يكونوا يسمعونها من قبل، وربما كانوا يحاجونهم بأن الله هو الرزاق ولا يقع في الكون كائن إلا بإرادته فجعل المشركون يتعللون لمنعهم بالاستهزاء فيقولون‏:‏ لا نُطعم من لو يشاء الله لأطعمه، وإذا كان هذا رزقناه الله فلماذا لم يرزقكم، فلو شاء الله لأطعمكم كما أطعمنا‏.‏ وقد يقول بعضهم ذلك جهلاً فإنهم كانوا يجهلون وضع صفات الله في مواضعها كما حكى الله عنهم‏:‏ ‏{‏وقالوا لو شاء الرحمان ما عبدناهم‏}‏ ‏[‏الزخرف‏:‏ 20‏]‏‏.‏

وإظهار الموصول من قوله‏:‏ ‏{‏قَالَ الذيِنَ كَفَرُوا‏}‏ في مقام الإِضمار مع أن مقتضى الظاهر أن يقال‏:‏ قالوا أنطعم الخ لنكتة الإِيماء إلى أن صدور هذا القول منهم إنما هو لأجل كفرهم ولأجل إيمان الذين سئل الإِنفاق عليهم‏.‏

روى ابنُ عطية‏:‏ أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر المشركين بالإِنفاق على المساكين في شدة أصابت الناس فشحّ فيها الأغنياء على المساكين ومنعوهم ما كانوا يعطونهم‏.‏

واللام في قوله‏:‏ ‏{‏لِلَّذِينَ ءَامَنُوا‏}‏ يجوز أن تكون لتعدية فعل القول إلى المخاطب به أي خاطبوا المؤمنين بقولهم‏:‏ ‏{‏أنُطعِمُ مَن لو يَشاءُ الله أطعَمَهُ‏}‏، ويجوز أن تكون اللام للعلة، أي قال الذين كفروا لأجل الذين آمنوا، أي قالوا في شأن الذين آمنوا كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏الذين قالوا لإخوانهم وقعدوا لو أطاعونا ما قتلوا‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 168‏]‏ وقوله‏:‏ ‏{‏وقال الذين كفروا للذين آمنوا لو كان خيراً ما سبقونا إليه‏}‏ ‏[‏الأحقاف‏:‏ 11‏]‏ أي قالوا ذلك تعلة لعدم الإِنفاق على فقراء المؤمنين‏.‏

والاستفهام في ‏{‏أنُطْعِمُ‏}‏ إنكاري، أي لا نطعم من لو شاء الله لأطعمهم بحسب اعتقادكم أن الله هو المطعم‏.‏

والتعبير في جوابهم بالإِطعام مع أن المطلوب هو الإِنفاق‏:‏ إمّا لمجرد التفنن تجنباً لإِعادة اللفظ فإن الإِنفاق يراد منه الإِطعام، وإمّا لأنهم سئلوا الإِنفاق وهو أعمّ من الإِطعام لأنه يشمل الإِكساء والإِسكان فأجابوا بإمساك الطعام وهو أيسر أنواع الإِنفاق، ولأنهم كانوا يعيّرون من يشحّ بإطعام الطعام وإذا منعوا المؤمنين الطعام كان منعهم ما هو فوقه أحرى‏.‏

وجملة ‏{‏إنْ أنتُمْ إلاَّ في ضَلاللٍ مُبِينٍ‏}‏ من قول المشركين يخاطبون المؤمنين، أي ما أنتم في قولكم‏:‏ ‏{‏أنفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ الله‏}‏ وما في معناه من اعتقاد أن الله متصرف في أحوالنا إلا متمكن منكم الضلال الواضح‏.‏ وجعلوه ضلالاً لجهلهم بصفات الله، وجعلوه مبيناً لأنهم يحكمون الظواهر من أسباب اكتساب المال وعدمه‏.‏

والجملة تعليل للإِنكار المستفاد من الاستفهام‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏48- 50‏]‏

‏{‏وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ‏(‏48‏)‏ مَا يَنْظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ ‏(‏49‏)‏ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَلَا إِلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ ‏(‏50‏)‏‏}‏

ذكر عقب استهزائهم بالمؤمنين لمّا منعوهم الإِنفاق بعلة أن الله لو شاء لأطعمهم استهزاء آخر بالمؤمنين في تهديدهم المشركين بعذاب يحلّ بهم فكانوا يسألونهم هذا الوعد استهزاء بهم بقرينة قوله‏:‏ ‏{‏إن كنتم صادِقِينَ‏}‏، فالاستفهام مستعمل كناية عن التهكم والتكذيب‏.‏ وأطلق الوعد على الإِنذار والتهديد بالشر لأن الوعد أعمّ ويتعين للخير والشر بالقرينة‏.‏ واسم الإِشارة للوعد مستعمل في الاستخفاف بوعد العذاب كما في قول قيس بن الخطيم‏:‏

متى يأت هذا الموتُ لا يُلف حاجة *** لنفسي إلا قد قضيتُ قضاءها

وإذا قد كان استهزاؤهم هذا يسوء المسلمين أعلم الله ورسوله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين بأن الوعد واقع لا محالة وأنهم ما ينتظرون إلا صيحة تأخذهم فلا يُفلتون من أخذتها‏.‏

وفعل ‏{‏يَنظُرُونَ‏}‏ مشتق من النَّظِرة وهو الترقب، وتقدم في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة في سورة‏}‏ ‏[‏الأنعام‏:‏ 158‏]‏‏.‏

والصيحة‏:‏ الصوت الشديد الخارج من حلق الإِنسان لزجر، أو استغاثة‏.‏ وأطلقت الصيحة في مواضع في القرآن على صوت الصاعقة كما في قوله تعالى في شأن ثمود‏:‏ ‏{‏فأخذتهم الصيحة‏}‏ ‏[‏الحجر‏:‏ 73‏]‏‏.‏ فالصيحة هنا تحتمل المجاز، أي ما ينتظرون إلا صعقة أو نفخة عظيمة‏.‏ والمراد النفخة الأولى التي ينقضي بها نظام الحياة في هذا العالم، والأخرى تنشأ عنها النشأة الثانية وهي الحياة الأبدية، فيكون أسلوب الكلام خارجاً على الأسلوب الحكيم إعراضاً عن جوابهم لأنهم لم يقصدوا حَقيقة الاستفهام فأجيبوا بأن ما أعد لهم من العذاب هو الأجدر بأن ينتظروه‏.‏

ومعنى ‏{‏تأخُذُهُم‏}‏ تُهلكهم فجأة، شبه حلول صيحة العقاب بحلول المُغِيرين على الحيّ لأخذ أنعامه وسَبْي نِسائه، فأطلق على ذلك الحلوللِ فعل ‏{‏تأخُذُهُم‏}‏ كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏فعصوا رسول ربهم فأخذهم أخذة رابية‏}‏ ‏[‏الحاقة‏:‏ 10‏]‏ أي تحلّ بهم وهم يختصمون‏.‏ وإسناد الأخذ إلى الصيحة حقيقة عقلية لأنهم يهلكون بصعقتها‏.‏

ويحتمل أن تكون الصيحة على حقيقتها وهي صيحة صائحين، أي ما ينتظرون إلا أن يصاح بهم صيحة تنذر بحلول القتل، فيكون إنذاراً بعذاب الدنيا‏.‏ ولعلها صيحة الصارخ الذي جاءهم بخبر تعَرّض المسلمين لركب تجارة قريش في بدر‏.‏

و ‏{‏يَخصّمُونَ‏}‏ من الخصومة والخصام وهو الجدال، وتقدم في قوله‏:‏ ‏{‏ولا تكن للخائنين خصيماً‏}‏ في سورة النساء‏}‏ ‏(‏105‏)‏، وقوله‏:‏ ‏{‏هذان خصمان‏}‏ في سورة الحج‏}‏ ‏(‏19‏)‏‏.‏ وأصله‏:‏ يختصمون فوقع إبدالُ التاء ضاداً لقرب مخرجيهما طلباً للتخفيف بالإِدغام‏.‏

واختلَف القراء في كيفية النطق بها، فقرأه الجميع بفتح الياء واختلفوا فيما عدا ذلك‏:‏ فقرأ ورش عن نافع وابنُ كثير وأبو عمرو في رواية عنه ‏{‏يَخصّمُونَ‏}‏ بتشديد الصاد مكسورة على اعتبار التاء المبدلة صاداً والمسَكَّنةُ لأجل الإِدغام، ألقيت حركتُها على الخاء التي كانت ساكنة‏.‏ وقرأه قالون عن نافع وأبو عمرو في المشهور عنه بسكون الخاء سكوناً مختلَساً ‏(‏بالفتح‏)‏ لأجل التخلص من التقاء الساكنين وبكسر الصاد مشدّدة‏.‏

وقرأه عاصم والكسائي وابنُ ذكوان عن ابن عامر ويعقوبُ وخلف ‏{‏يَخصّمُونَ‏}‏ بكسر الخاء وكسر الصاد مشدّدة‏.‏ وقرأه حمزة ‏{‏يخْصِمون‏}‏ بسكون الخاء وكسر الصاد مخففة مضارع ‏(‏خَصم‏)‏ قيل بمعنى جادل‏.‏ وقرأ أبو جعفر ‏{‏يخْصِّمون‏}‏ بإسكان الخاء وبكسر الصاد مشددة على الجمع بين الساكنين‏.‏

والاختصام‏:‏ اختصامهم في الخروج إلى بدر أو في تعيين من يخرج لما حلّ بهم من مفاجآت لهم وهم يختصمون بين مصدق ومكذب للنذير‏.‏ وإسناد الأخذ إلى الصيحة على هذا التأويل مجاز عقلي لأن الصيحة وقت الأخذ وإنما تأخذهم سيوف المسلمين‏.‏ وتقديم المسند إليه على المسند الفعلي في قوله‏:‏ ‏{‏وهُمْ يَخصّمُونَ‏}‏ لإِفادة تقوّي الحكم وهو أن الصيحة تأخذهم‏.‏

وفرع على ‏{‏تأخُذُهُمْ‏}‏ جملة ‏{‏فَلا يَسْتَطِيعونَ توصِيَةً‏}‏ أي لا يتمكنون من توصية على أهليهم وأموالهم من بعدهم كما هو شأن المحْتضَر، فإن كان المراد من الصيحة صيحة الواقعة كان قوله‏:‏ ‏{‏فَلا يَسْتَطِيعونَ توصِيَةً‏}‏ كناية عن شدة السرعة بين الصيحة وهلاكهم، إذ لا يكون المراد مدلوله الصريح لأنهم لا يتركون غيرهم بعدهم إذ الهلاك يأتي على جميع الناس‏.‏

وإن كان المراد من الصيحة صيحة القتال كان المعنى‏:‏ أنهم يفزعون إلى مواقع القتال يوم بدر، أو إلى ترقب وصول جيش الفتح يوم الفتح فلا يتمكنون من الحديث مع من يُوصُونه بأهليهم‏.‏

والتوصية‏:‏ مصدر وَصَّى المضاعف وتنكيرها للتقليل، أي لا يستطيعون توصية ما‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏وَلاَ إلى أهْلِهِم يَرْجِعُونَ‏}‏ يجوز أن يكون عطفاً على ‏{‏تَوْصِيَةً‏}‏، أي لا يستطيعون الرجوع إلى أهلهم كشأن الذي يفاجئه ذعْر فيبادر بافتقاد حال أهله من ذلك‏.‏

ويجوز أن يكون عطفاً على جملة «لا يستطيعون» فيكون مما شمله التفريع بالفاء، أي فلا يرجعون إلى أهلهم، أي هم هالكون على الاحتمالين، إلا أنه على احتمال أن يراد صيحة الحرب يخصص ضمير ‏{‏يَرْجِعُونَ‏}‏ بكبراء قريش الذين هلكوا يوم بدر لأنهم هم المتولُّون كِبْر التكذيب والعناد، أو الذين أكملوا بالهلاك يوم الفتح مثل عبد الله بن خطل الذي قتل يوم الفتح‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏51‏]‏

‏{‏وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُمْ مِنَ الْأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ ‏(‏51‏)‏‏}‏

يجوز أن تكون الواو للحال والجملة موضع الحال، أي ما ينظرون إلا صيحة واحدة وقد نفخ في الصور الخ‏.‏‏.‏ ويجوز أن تكون الواو اعتراضية، وهذا الاعتراض واقع بين جملة ‏{‏ما ينظُرُونَ إلاَّ صَيْحَةً واحِدَةً‏}‏ ‏[‏يس‏:‏ 49‏]‏ الخ‏.‏‏.‏‏.‏ وجملة ‏{‏ولو نشاء لطمسنا‏}‏ ‏[‏يس‏:‏ 66‏]‏‏.‏

والمقصود‏:‏ وعظهم بالبعث الذي أنكروه وبما وراءه‏.‏

والماضي مستعمل في تحقق الوقوع مثل ‏{‏أتى أمر الله‏}‏ ‏[‏النحل‏:‏ 1‏]‏‏.‏ والمعنى‏:‏ وينفخ في الصور، أي ويَنفخ نافخ في الصور، وهو الملَك الموكّل به، واسمه إسرافيل‏.‏ وهذه النفخة الثانية التي في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ثم نفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون‏}‏ ‏[‏الزمر‏:‏ 68‏]‏‏.‏

و«إذا» للمفاجأة وهي حصول مضمون الجملة التي بعدها سريعاً وبدون تهيّؤ‏.‏ وضمير ‏{‏هم‏}‏ عائد إلى ما عادت إليه الضمائر السابقة‏.‏ ويجوز أن يعود إلى معلوم من المقام، أي فإذا الناس كلّهم ومنهم المتحدث عنهم‏.‏

و ‏{‏الأجداث‏}‏‏:‏ جمع جَدَث بالتحريك، وهو القبر‏.‏

و ‏{‏يَنسِلُونَ‏}‏ يمشون مشياً سريعاً‏.‏ وفعله من باب ضَرب وورد من باب نصر قليلاً‏.‏ والمصدر‏:‏ النسَلان، على وزن الغليان لما في معنى الفعل من التقليب والاضطراب، وتقدم في آخر سورة الأنبياء‏.‏ وهذا يقتضي أنهم قُبِروا بعد الصيحة التي أخذتهم فإن كانت الصيحة صيحة الواقعة فالأجداث هي ما يعلوهم من التراب في المدة التي بين الصيحة والنفخة‏.‏ وقد ورد أن بينهما أربعين سنة إذ لا يبقى بعد تلك الصيحة أحد من البشر ليَدفِن من هلَك منهم، وإن كانت الصيحة صيحة الفزع إلى القتل فالأجداث على حقيقتها مثل قليب بدر‏.‏

ومعنى‏:‏ ‏{‏إلى ربّهِم‏}‏ إلى حكم ربهم وحسابه، وهو متعلق ب ‏{‏يَنسِلُونَ‏}‏‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏52‏]‏

‏{‏قَالُوا يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ ‏(‏52‏)‏‏}‏

استئناف بياني لأن وصف هذه الحال بعد حكاية إنكارهم البعث وإحالتهم إياه يثير سؤال من يسأل عن مقالهم حينما يرون حقية البعث‏.‏

و ‏{‏يا وَيْلَنَا‏}‏ كلمة يقولها الواقع في مصيبة أو المُتحسِّر‏.‏ والويل‏:‏ سوء الحال، وإنما قالوا ذلك لأنهم رأوا ما أُعدّ لهم من العذاب عندما بعثوا‏.‏ وقد تقدم عند قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم‏}‏ في سورة البقرة ‏(‏79‏)‏‏.‏

وحكي قولهم بصيغة الماضي اتباعاً لحكاية ما قبله بصيغة المضيّ لتحقيق الوقوع‏.‏

وحرف النداء الداخل على ‏{‏ويلنا‏}‏ للتنبيه وتنزيل الويل منزلة من يسمع فيُنادَى ليحضر، وقد تقدم عند قوله تعالى‏:‏ ‏{‏قالت يا ويلتى‏}‏ في سورة هود ‏(‏72‏)‏‏.‏

و ‏{‏مَن‏}‏ استفهام عن فاعل البعث مستعمل في التعجّب والتحسّر من حصول البعث‏.‏ ولما كان البعث عندهم محالاً كنّوا عن التعجب من حصوله بالتعجب من فاعله لأن الأفعال الغريبة تتوجه العقول إلى معرفة فاعلها لأنهم لما بُعثوا وأزْجي بهم إلى العذاب علموا أنه بعثٌ فعَله من أراد تعذيبهم‏.‏

والمَرْقَد‏:‏ مكان الرقاد‏.‏ وحقيقة الرقاد‏:‏ النوم‏.‏ وأطلقوا الرقاد على الموت والاضطجاععِ في القبور تشبيهاً بحالة الراقد‏.‏

ثم لم يلبثوا أن استحضرت نفوسهم ما كانوا يُنذرون به في الدنيا فاستأنفوا عن تعجبهم قولهم‏:‏ ‏{‏هذا ما وَعَدَ الرحمن وصَدَقَ المُرْسَلُونَ‏}‏‏.‏ وهذا الكلام خبر مستعمل في لازم الفائدة وهو أنهم علموا سبب ما تعجبوا منه فبطل العجب، فيجوز أن يكونوا يقولون ذلك كما يتكلم المتحسّر بينه وبين نفسه، وأن يقوله بعضهم لبعض كل يظن أن صاحبه لم يتفطن للسبب فيريد أن يعلمه به‏.‏

وأتوا في التعبير عن اسم الجلالة بصفة الرحمان إكمالاً للتحسر على تكذيبهم بالبعث بذكر ما كان مقارناً للبعث في تكذيبهم وهو إنكار هذا الاسم كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏وإذا قيل لهم اسجدوا للرحمان قالوا وما الرحمان‏}‏ ‏[‏الفرقان‏:‏ 60‏]‏‏.‏

والإِشارة بقوله‏:‏ ‏{‏هذا‏}‏ إشارة إلى الحالة المرْئية لِجميعهم وهي حالة خروجهم من الأرض‏.‏

وجملة ‏{‏وصَدَقَ المُرْسَلُونَ‏}‏ عطف على جملة ‏{‏هذا ما وعَدَ الرحمن‏}‏ وهو مستعمل في التحسّر على أن كذبوا الرسل‏.‏

وجَمع المرسلين مع أن المحكي كلامُ المشركين الذين يقولون ‏{‏متى هذا الوعد‏}‏ ‏[‏يس‏:‏ 48‏]‏ إمّا لأنهم استحضروا أن تكذيبهم محمداً صلى الله عليه وسلم كان باعثَه إحالتُهم أن يكون الله يرسل بَشراً رسولاً، فكان ذلك لأنهم لا يصدقون أحداً يأتي برسالة من الله كما حكى عنهم قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وما قدروا الله حق قدره إذ قالوا ما أنزل الله على بشر من شيء‏}‏ ‏[‏الأنعام‏:‏ 91‏]‏ فلما تحسروا على خطئهم ذكَروه بما يشمله ويشمل سبَبَه كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏كذبت قوم نوح المرسلين‏}‏ من سورة الشعراء ‏(‏105‏)‏، وقوله في سورة الفرقان ‏(‏37‏)‏ ‏{‏وقوم نوح لما كذبوا الرسل أغرقناهم‏}‏، وإما لأن ذلك القول صدر عن جميع الكفار المبعوثين من جميع الأمم فعلِمت كل أمة خطأها في تكذيب رسولها وخطأ غيرها في تكذيب رسلهم فنطقوا جميعاً بما يفصح عن الخطأيْن، وقد مضى أن ضمير ‏{‏فَإذَا هُم جَمِيعٌ‏}‏ ‏[‏يس‏:‏ 53‏]‏ يجوز أن يعود على جميع الناس‏.‏

ومن المفسرين من جعل قوله‏:‏ ‏{‏هذا ما وعد الرحمن وصَدَقَ المُرْسَلُونَ‏}‏ من كلام الملائكة يجيبون به قول الكفار ‏{‏مَنْ بعَثَنا مِن مَرْقَدِنا‏}‏ فهذا جواب يتضمن بيان مَن بعثهم مع تنديمهم على تكذيبهم به في الحياة الدنيا حين أبلغهم الرسل ذلك عن الله تعالى‏.‏ واسم ‏{‏الرحمن‏}‏ حينئذٍ من كلام الملائكة لزيادة توبيخ الكفار على تجاهلهم به في الدنيا‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏53‏]‏

‏{‏إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ ‏(‏53‏)‏‏}‏

فذلكة لجملة ‏{‏ما ينظرون إلا صيحة واحِدَة‏}‏ ‏[‏يس‏:‏ 49‏]‏ إلى قوله‏:‏ ‏{‏وصدق المرسلون‏}‏ ‏[‏يس‏:‏ 52‏]‏ لأن النفخ مرادف للصيحة في إطلاقها المجازي، فاقتران فعل كانت بتاء التأنيث لِتأويل النفي مأخوذ من ‏{‏ونُفِخَ في الصُّورِ‏}‏ ‏[‏يس‏:‏ 51‏]‏ بمعنى النفخة ينظر إلى الإِخبار عنه ب ‏{‏صيحة‏}‏‏.‏ ووصفها ب ‏{‏واحِدةً‏}‏ لأن ذلك الوصف هو المقصود من الاسْتِثناء المفرّغ، أي ما كان ذلك النفخ إلاّ صيحة واحدة لا يكرر استدعاؤهم للحضور بل النفخ الواحد يخرجهم من القبور ويسير بهم ويُحضرهم للحساب‏.‏

وأما قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ونفخ في الصور فصعق من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله ثم نفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون‏}‏ ‏[‏الزمر‏:‏ 68‏]‏ فتلك نفخة سابقة تقع على الناس في الدنيا فيفنى بها الناس وسيأتي ذكرها في سورة الزمر‏.‏

ولما كان قوله‏:‏ ‏{‏إن كانت إلا صيحة واحِدَة‏}‏ في قوة التكرير والتوكيد لقوله ‏{‏ونُفِخَ في الصُّورِ‏}‏ ‏[‏يس‏:‏ 51‏]‏ كان ما تفرع عليه من قوله‏:‏ ‏{‏فإذَا هُم جَمِيعٌ لدينا مُحْضَرُونَ‏}‏ بمنزلة العطف على قوله‏:‏ ‏{‏فإذا هم من الأجْدَاثثِ إلى ربّهم يَنسِلُونَ‏}‏ ‏[‏يس‏:‏ 51‏]‏ فكأنه مثل ‏{‏ونُفِخَ في الصُّورِ فَإذَا هُم مِنَ الأجْدَاثثِ إلى ربهم يَنسلُون‏}‏ ‏[‏يس‏:‏ 51‏]‏ و‏{‏فإذا هم جميع لدينا محضرون‏}‏، وإعادة حرف المفاجأة إيماء إلى حصول مضمون الجملتين المقترنتين بحرف المفاجأة في مثل لمح البصر حتى كأن كليهما مفاجأ في وقت واحد‏.‏ وتقدم الكلام على نظير هذا التركيب آنفاً‏.‏

و ‏{‏جَمِيعٌ‏}‏ نعت للمبتدأ، أي هم جميعهم، فالتنوين في ‏{‏جميع‏}‏ عوض المضاف إليه الرابط للنعت بالمنعوت، أي مجتمعون لا يحضرون أفواجاً وزرافات، وقد تقدم قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وإن كُلٌّ لمَا جَميعٌ لدينا مُحْضَرُونَ‏}‏ ‏[‏يس‏:‏ 32‏]‏ في هذه السورة‏.‏

وقرأ الجمهور بنصب ‏{‏صَيْحَةً‏}‏‏.‏ وقرأه أبو جعفر بالرفع على أن «كان» تامة، وتقدم نظيره في أوائل السورة‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏54‏]‏

‏{‏فَالْيَوْمَ لَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَلَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ‏(‏54‏)‏‏}‏

إن كان قوله تعالى‏:‏ ‏{‏هذا ما وعَدَ الرحمن‏}‏ ‏[‏يس‏:‏ 52‏]‏ حكاية لكلام الكفار يوم البعث كان هذا كلاماً من قبل الله تعالى بواسطة الملائكة وكانت الفاء في قوله‏:‏ ‏{‏فاليوم لا تُظلمُ نفسٌ شَيْئاً‏}‏ فاء فصيحة وهي التي تفصح وتنبئ عن كلام مقدّر نشأ عن قوله‏:‏ ‏{‏فإذا هم جميع لدينا محضرون‏}‏ ‏[‏يس‏:‏ 53‏]‏ فهو خطاب للذين قالوا‏:‏ ‏{‏من بعثنا من مرقدنا‏}‏ ‏[‏يس‏:‏ 52‏]‏‏.‏ والمعنى‏:‏ فقد أيقنتم أن وعد الله حق وأن الرسل صدقوا فاليوم يوم الجزاء كما كان الرسل ينذرونكم‏.‏

وإن كان قوله‏:‏ ‏{‏هذا ما وعَدَ الرحمن‏}‏ ‏[‏يس‏:‏ 52‏]‏ من كلام الملائكة كانت الفاء تفريعاً عليه وكانت جملة ‏{‏إن كانَتْ إلاَّ صيحَةً واحِدَةً‏}‏ ‏[‏يس‏:‏ 53‏]‏ الخ معترضة بين المفرع والمفرع عليه‏.‏

و«اليوم» ظرف وتعريفه للعهد، وهو عهد حضور يعني يوم الجزاء‏.‏ وفائدة ذكر التنويه بذلك اليوم بأنه يوم العدل‏.‏

وأشعر قوله‏:‏ ‏{‏لا تُظلم نفسٌ شيئاً‏}‏ بالتعريض بأنهم سيلقون جزاء قاسياً لكنه عادل لا ظلم فيه لأن نفي الظلم يشعر بأن الجزاء مما يُخال أنه متجاوز معادَلَةَ الجريمة، وهو معنى ‏{‏ولاَ تُجْزونَ إلاَّ ما كنتم تعملون‏}‏ أي إلا على وفاق ما كنتم تعملون وعلى مقداره‏.‏ وانتصب ‏{‏شيئاً‏}‏ على المفعول المطلق، أي شيئاً من الظلم‏.‏

ووقوع ‏{‏نَفْسٌ‏}‏ و‏{‏شَيْئاً‏}‏ وهما نكرتان في سياق النفي يعمّ انتفاء كل ذلك عن كل نفس وانتفاء كل شيء من حقيقة الظلم وذلك يعمّ جميع الأنفس‏.‏‏.‏ ولكن المقصود أنفس المعاقَبين، أي أن جزاءهم على حسب سيّئاتهم جزاء عادل‏.‏ وإذ قد كان تقديره من الله تعالى وهو العليم بكل شيء كانت حقيقة العدل محققة في مقدار جزائهم إذ كلّ عدل غير عدل الله معرض للزيادة والنقصان في نفس الأمر ولكنه يجري على حسب اجتهاد الحاكمين، والله لم يكلف الحاكم إلاّ ببذل جهده في إصابة الحق، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم ‏"‏ إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر واحد ‏"‏‏.‏